الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب العين من الطبقة الثانية

595 - عبد الله بن سليمان بن الأشعث بن إسحاق أبو بكر بن أبي داود السجستاني :

رحل به والده من سجستان فطوف به شرقا وغربا وأسمعه من علماء ذلك الوقت سمع بخراسان والجبال وأصبهان وفارس والبصرة وبغداد والكوفة والمدينة ومكة والشام ومصر والجزيرة والثغور واستوطن بغداد وصنف المسند والسنن والتفسير والقراءات والناسخ والمنسوخ وغير ذلك وكان فهما عالما حافظا وحدث عنعلي بن خشرم المروزي ، وأبي داود سليمان ابن معبد السنجي ، وسلمة بن شبيب ، ومحمد بن يحيى الذهلي ، وأحمد بن الأزهر النيسابوري ، وإسحاق بن منصور الكوسج ، ومحمد بن بشار بندار ، ومحمد بن المثنى ، وعمرو بن علي ، ونصر بن علي البصريين وإسحاق بن إبراهيم النهشلي ، وزياد بن أيوب ، ومحمد بن عبد الله المخرمي ، ويعقوب الدورقي ، ويوسف بن موسى القطان ، ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة وخلق كثير من أمثالهم .

روى عنه أبو بكر بن مجاهد المقرئ ، وعبد الباقي بن قانع ، ودعلج بن أحمد ، وأبو بكر الشافعي ، ومحمد بن المظفر الوراق ، والدارقطني ، وأبو حفص بن شاهين ، وأبو القاسم بن جبابة ، والمخلص ، وأبو عبد الله بن بطة ، وعيسى بن علي الوزير وكان عيسى يشير إلى موضع في داره فيقول : حدثنا أبو القاسم البغوي في ذلك [ ص: 52 ] الموضع وحدثنا يحيى بن صاعد في ذلك الموضع وحدثنا أبو بكر بن مجاهد في ذلك الموضع وذكر غير هؤلاء فيقال له : لا تزال تذكر أبا بكر بن أبي داود فيقول : ليته إذا مضينا إلى داره كان يأذن لنا في الدخول إلى داره والقراءة عليه ؟ ونصب له السلطان المنبر فحدث عليه لفضله ومعرفته .

وقال الأزهري : سمعت أحمد بن إبراهيم بن شاذان يقول أخرج أبو بكر بن أبي داود إلى سجستان في أيام عمرو بن الليث فاجتمع إليه أصحاب الحديث وسألوه أن يحدثهم فأبى وقال ليس معي كتاب فقالوا له : ابن أبي داود وكتاب ؟ قال أبو بكر : فأثاروني فأمليت عليهم ثلاثين ألف حديث من حفظي فلما قدمت بغداد قال البغداديون مضى ابن أبي داود إلى سجستان ولعب بالناس ثم فيجوا فيجا اكتروه إلى سجستان ليكتب لهم النسخة فكتبت وجيء بها إلى بغداد وعرضت على الحفاظ فخطؤوني في ستة أحاديث منها ثلاثة حدثت بها كما حدثت وثلاثة أحاديث أخطأت فيها .

وقال أبو عبد الرحمن السلمي : سألت الدارقطني عن أبي بكر بن أبي داود فقال : ثقة .

أخبرنا الوالد السعيد قراءة قال : أخبرنا موسى بن عيسى السراج قال : حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال : حدثنا وهب بن بيان ، وعبد الله بن محمد بن المسور ، وموسى بن عامر المري قالوا : حدثنا سفيان عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من صور صورة كلف أن ينفخ فيها ولن يفعل  ومن تحلم كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل ومن استمع حديث قوم لم يحبوا أن يسمع حديثهم صب في أذنيه الآنك " أنبأنا أبو الحسين من ولد المهتدي بالله عن عمر بن شاهين قال سمعت أبا بكر ابن أبي داود يقول : دخلت الكوفة ومعي درهم واحد فاشتريت به ثلاثين مدا باقلا وكنت آكل منه مدا وأكتب عن أبي سعيد الأشج [ ص: 53 ] ألف حديث فلما كان الشهر حصل معي ثلاثون ألف حديث .

أنبأنا علي المحدث عن عبيد الله الفقيه قال أنشدنا أبو بكر بن أبي داود من حفظه لنفسه :


تمسك بحبل الله واتبع الهدي ولا تك بدعيا لعلك تفلح     ودن بكتاب الله والسنن التي
أتت عن رسول الله تنجو وتربح     وقل غير مخلوق كلام مليكنا
بذلك دان الأتقياء وأفصحوا     ولا تغل في القرآن بالوقف قائلا
كما قال أتباع لجهم وأسجحوا     ولا تقل القرآن خلقا قرأته
فإن كلام الله باللفظ يوضح     وقل يتجلى الله للخلق جهرة
كما البدر لا يخفى وربك أوضح     وليس بمولود وليس بوالد
وليس له شبه تعالى المسبح     وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا
بمصداق ما قلنا : حديث مصرح     رواه جرير عن مقال محمد
فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح     وقد ينكر الجهمي أيضا يمينه
وكلتا يديه بالفواضل تنفح     وقل ينزل الجبار في كل ليلة
بلا كيف جل الواحد المتمدح     إلى طبق الدنيا يمن بفضله
فتفرج أبواب السماء وتفتح     يقول ألا مستغفر يلق غافرا
ومستمنح خيرا ورزقا فأمنح     روى ذاك قوم لا يرد حديثهم
إلا خاب قوم كذبوهم وقبحوا     وقل إن خير الناس بعد محمد
وزيراه قدما ثم عثمان الأرجح     ورابعهم خير البرية بعدهم
علي حليف الخير بالخير منجح     وإنهم والرهط لا ريب فيهم
على نجب الفردوس في الخلد تسرح     سعيد وسعد وابن عوف وطلحة
وعامر فهر والزبير الممدح     وقل خير قول في الصحابة كلهم
ولا تك طعانا تعيب وتجرح     فقد نطق الوحي المتين بفضلهم
وفي الفتح آي في الصحابة تمدح [ ص: 54 ]     وبالقدر المقدور أيقن فإنه
دعامة عقد الدين والدين أفيح     ولا تنكرن جهلا نكيرا ومنكرا
ولا الحوض والميزان إنك تنصح     وقل يخرج الله العظيم بفضله
من النار أجسادا من الفحم تطرح     على النهر في الفردوس تحيى بمائه
كحبة حمل السيل إذ جاء يطفح     فإن رسول الله للخلق شافع
وقل في عذاب القبر حق موضح     ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا
وكلهم يعصي وذو العرش يصفح     ولا تعتقد رأي الخوارج إنه
مقال لمن يهواه يردي ويفضح     ولا تك مرجيا لعوبا بدينه
ألا إنما المرجي بالدين يمرح     وقل إنما الإيمان قول ونية
وفعل على قول النبي مصرح     وينقص طورا بالمعاصي وتارة
بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح     ودع عنك آراء الرجال وقولهم
فقول رسول الله أزكى وأشرح     ولا تك من قوم تلهوا بدينهم
فتطعن في أهل الحديث وتقدح     إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه
فأنت على خير تبيت وتصبح

قال ابن بطة : قال أبو بكر بن أبي داود : هذا قولي وقول أبي وقول أحمد بن حنبل وقول من أدركنا من أهل العلم ومن لم ندرك ممن بلغنا عنه فمن قال غير هذا فقد كذب .

مولده سنة ثلاثين ومائتين قال وأول ما كتبت سنة إحدى وأربعين عن محمد بن أسلم الطوسي وكان بطوس وكان رجلا صالحا وسر بي أبي لما كتبت عنه وقال لي أول ما كتبت كتبت عن رجل صالح ورأيت جنازة إسحاق بن راهويه ومات إسحاق سنة ثمان وثلاثين وكنت مع ابنه في الكتاب .

وتوفي عبد الله بن أبي داود وهو ابن ست وثمانين سنة وستة أشهر وأيام وصلى عليه مطلب الهاشمي ثم أبو عمر حمزة بن القاسم الهاشمي وقيل : صلي عليه ثمانون مرة حتى أنفذ المقتدر بالله بنازوك فخلصوا جنازته ودفنوه يوم الأحد [ ص: 55 ] لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة من سنة ست عشرة وثلاثمائة في مقبرة باب البستان .

وقيل : صلى عليه زهاء ثلاثمائة ألف إنسان وأكثر وأخرج بعد صلاة الغداة ودفن بعد صلاة الظهر وقيل : مات وله سبع وثمانون سنة قد مضى له منها ثلاثة أشهر وخلف ثمانية أولاد أبو داود ، ومحمد ، وأبو معمر ، وعبيد الله ، وأبو أحمد عبد الأعلى وخمس بنات أكبرهن فاطمة وحدثت .

التالي السابق


الخدمات العلمية