الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل في إعتاق أبي بكر المعذبين في الله  

روي عن هشام بن عروة ، عن أبيه، قال: كان ورقة بن نوفل يمر ببلال ، وهو يعذب، وهو يقول: أحد أحد، فيقول: أحد أحد يا بلال.

ثم يقبل ورقة بن نوفل على أمية بن خلف ، فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا: أي ذا حنان [ ص: 33 ] .

والحنان الرحمة حتى مر به أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يوما، وهم يصنعون به ذلك، وكان دار أبي بكر في بني جمح، فقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟ قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، فقال أبو بكر: أفعل.

عندي غلام أسود، أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيكه، قال: قد قبلت، قال: هو لك، فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك وأخذ بلالا فأعتقه، ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب، بلال سابعهم: عامر بن فهيرة شهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة شهيدا، وأم عميس وزبيرة فأصيب [ ص: 34 ] بصرها حين أعتقها فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى فقالت: كذبوا، وبيت الله، ما يضر اللات والعزى، ولا ينفعان، فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يطحنان لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدا، فقال أبو بكر: حلا يا أم فلان.

قالت: أحلا؟ أنت أفسدتهما فأعتقهما.

قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.

قال: قد أخذتهما، وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها، ومر أبو بكر بجارية من بني نوفل، وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا مل فابتاعها أبو بكر.

فقال عمار بن ياسر وهو يذكر بلالا ، وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق أبي بكر إياهم وكان اسم أبي بكر عتيقا [ ص: 35 ] :


جزى الله خيرا عن بلال وصحبه عتيقا وأخزى فاكها وأبا جهل     عشية هما في بلال بسوأة
ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقل     بتوحيده رب الأنام وقوله
شهدت بأن الله ربي على مهل     فإن تقتلوني تقتلوني ولم أكن
لأشرك بالرحمن من خيفة القتل     فيارب إبراهيم والعبد يونس
وموسى وعيسى نجني ثم لا تملي     لمن ظل يهوى الغي من آل غالب
على غير بر كان منه ولا عدل

قوله: لأتخذنه حنانا: أي ذا حنان، والحنان الرحمة، أي أترحم عليه وأدعو له.

وقوله: حلا: أي قوله: إن شاء الله، قال أهل اللغة: تحلل: أي قال: إن شاء الله [ ص: 36 ] .

التالي السابق


الخدمات العلمية