فصل
قال أهل التاريخ: كان رضي الله عنه، قبل أن يشتغل بأمر المسلمين تاجرا، وكان منزله أبو بكر بالسنح في عوالي المدينة عند زوجته حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير من بني الحارث بن الخزرج، وكان قد حجر عليه حجرة من شعر، فما زاد على ذلك حتى تحول إلى منزله بالمدينة بعدما بويع له.
بستة أشهر، وكان يأتي إلى المدينة فيصلي الصلوات بالناس، فإذا صلى العشاء رجع إلى أهله بالسنح، وكان له قطعة غنم تروح عليه وربما خرج هو بنفسه فيها، وربما كفيها فرعيت له وكان يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع له [ ص: 83 ] بالخلافة، قالت جارية من الحي: الآن لا تحلب لنا منايح دارنا، فسمعها ، فقال: أبو بكر فكان يحلب لهم، فربما قال للجارية من الحي: يا جارية أتحبين أن أرغي لك، أو أصرح فربما قالت: ارغ، وربما قالت: أصرح. بل لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه،
فأي ذلك قالت فعل، فمكث كذلك بالسنح ستة أشهر، ثم نزل إلى المدينة، فأقام بها ونظر في أمره، فقال: بما يصلحه وما يصلح عياله يوما بيوم، ويحج ويعتمر، وكان الذي فرضوا له في كل سنة ألف درهم، فلما حضرته الوفاة، قال: ردوا ما عندنا من مال المسلمين، فإني لا أصيب من هذا المال شيئا، وإن أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين، بما أصبت من أموالهم. والله ما يصلح أمر الناس التجارة، وما يصلحهم إلا التفرغ لهم والنظر في شأنهم، ولا بد لعيالي مما يصلحهم، فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين
فدفع ذلك إلى رضي الله عنه، ولقوح، وعبد صيقل، وقطيفة، لا تساوي خمسة دراهم، فقال عمر رضي الله عنه: لقد أتعب من بعده رضي الله عنه [ ص: 84 ] . عمر