الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

قال أهل التاريخ: كان أبو بكر رضي الله عنه، قبل أن يشتغل بأمر المسلمين تاجرا، وكان منزله بالسنح في عوالي المدينة عند زوجته حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير من بني الحارث بن الخزرج، وكان قد حجر عليه حجرة من شعر، فما زاد على ذلك حتى تحول إلى منزله بالمدينة بعدما بويع له.

بستة أشهر، وكان يأتي إلى المدينة فيصلي الصلوات بالناس، فإذا صلى العشاء رجع إلى أهله بالسنح، وكان له قطعة غنم تروح عليه وربما خرج هو بنفسه فيها، وربما كفيها فرعيت له وكان يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع له [ ص: 83 ] بالخلافة، قالت جارية من الحي: الآن لا تحلب لنا منايح دارنا، فسمعها أبو بكر ، فقال: بل لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه،  فكان يحلب لهم، فربما قال للجارية من الحي: يا جارية أتحبين أن أرغي لك، أو أصرح فربما قالت: ارغ، وربما قالت: أصرح.

فأي ذلك قالت فعل، فمكث كذلك بالسنح ستة أشهر، ثم نزل إلى المدينة، فأقام بها ونظر في أمره، فقال: والله ما يصلح أمر الناس التجارة، وما يصلحهم إلا التفرغ لهم والنظر في شأنهم، ولا بد لعيالي مما يصلحهم، فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين  بما يصلحه وما يصلح عياله يوما بيوم، ويحج ويعتمر، وكان الذي فرضوا له في كل سنة ألف درهم، فلما حضرته الوفاة، قال: ردوا ما عندنا من مال المسلمين، فإني لا أصيب من هذا المال شيئا، وإن أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين، بما أصبت من أموالهم.

فدفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه، ولقوح، وعبد صيقل، وقطيفة، لا تساوي خمسة دراهم، فقال عمر رضي الله عنه: لقد أتعب من بعده رضي الله عنه [ ص: 84 ] .

التالي السابق


الخدمات العلمية