فصل
كتب الحسن إلى رحمه الله: أما بعد، عمر بن عبد العزيز آدم إليها عقوبة فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها والغنى فيها فقرها، لها في كل حين قتيل، تذل من أعزها وتفقر من جمعها، هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه، فكن فيها كالمداوي جراحته يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا، ويصبر على شدة الأذى مخافة طول البلاء، فاحذر هذه الغرارة الختارة التي قد زينت بخدعها وحلت بآمالها وتشوفت لخطابها وفتنت بغرورها، فأصبحت كالعروس المجلو فالعيون إليها ناظرة والقلوب [ ص: 738 ] عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر على الأول مزدجر، ولا العارف بالله حين أخبره عنها مدكر، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى، ونسي الميعاد، وشغل فيها لبه حتى زلت عنه قدمه، وعظمت ندامته وكثرت حسراته، واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه، وحسرات الفوت بغصته، فذهبت بكدمه فلم يدرك منها ما طلب، ولم يروح نفسه من التعب، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد، فاحذرها يا أمير المؤمنين، وكن أسر ما تكون فيها، أحذر ما تكون لها، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه إلى مكروه، فالسار فيها بأهلها غار، والنافع فيها غدا ضار، وقد وصل الرخاء فيها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، فسرورها مشوب بالحزن، لا يرجع منها ما ولى فأدبر، ولا يدري ما هو آت فيستنظر. فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة، وإنما أنزل
أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، وابن آدم فيها على خطر، إن غفل فهو من النعماء على خطر وفي البلاء على حذر، فلو كان الخالق لم يخبر عنها خبرا، ولم يضرب لها مثلا لكانت الدنيا قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من الله عنها زاجر، وفيها واعظ، فما لها عند الله قدر ولا وزن، ولا نظر إليها منذ خلقها، ولقد عرضت على نبيك صلى الله عليه وسلم بمفاتيح خزائنها لا ينقصه ذلك عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها، كره أن يخالف على ربه [ ص: 739 ] أمره أو يحب ما أبغض خالقه أو يرفع ما وضع مليكه فزواها عن الصالحين اختيارا، وبسطها لأعدائه اغترارا أو قال اختيارا، فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها، ونسي ما صنع الله بمحمد صلى الله عليه وسلم حين يشد الحجر على بطنه، ولقد جاءت الرواية عن الله عز وجل، أنه قال لموسى عليه السلام: وإن شئت ثلثت بصاحب الروح والكلمة "إذا رأيت الغنى مقبلا، فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلا، فقل: مرحبا بشعار الصالحين، ابن مريم، كان يقول: إدامي الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، وصلاتي في الشتاء مشارق الشمس، وسراجي القمر، ودابتي رجلاي، وطعامي وفاكهتي ما أنبتت الأرض، أبيت وليس لي شيء، وأصبح ليس على الأرض أحد أغنى مني.