الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        بسم الله الرحمن الرحيم

        سورة آل عمران

        قوله جل وعز : الم  الله لا إله إلا هو الحي القيوم   .

        197 - حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثني مجاهد بن موسى ، قال : حدثنا عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي ، قال : حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة : أن الذي نزل بالمدينة من القرآن : البقرة ، وآل عمران  ، وذكر بقية الحديث .

        198 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد ، عن ابن عباس ، قال : كان عبد الله بن عمرو ، وزيد بن الحارث ، يوادان رجالا من اليهود ، فأنزل الله : يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم الآية .

        [ ص: 108 ] وقدم على رسول الله وفد نصارى نجران ستون راكبا ، فيهم أربعة عشر من أشرافهم ، في الأربعة عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم ، العاقب أمير القوم ، وذو رأيهم ، وصاحب مشورتهم ، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه ، واسمه عبد المسيح ، والسيد ثمالهم ، وصاحب رحلهم ومجتمعهم واسمه : الأيهم ، وأبو حارثة بن علقمة أحد بكر بن وائل أشفعهم وحبرهم ، وإمامهم ، وصاحب مدارسهم ، كان أبو حارثة قد شرف منهم ، ودرس كتبهم ، حتى حسن علمه في دينهم ، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ، ومولوه ، وأخدموه ، وبنوا له الكنائس ، وبسطوا عليه الكرامات ، لما يبلغوا عنه من علمه واجتهاده في دينه .

        فلما وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران ، جلس أبو حارثة على بغلته موجها ، وإلى جنبه أخ له يقال له : كوز بن علقمة يسايره ، إذ عثرت بغلة أبي حارثة ، فقال كوز : تعس الأبعد! - يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال له أبو حارثة : بل تعست أنت ؟! قال : ولم يا أخي ؟ قال : والله إنه للنبي الذي كنا ننتظر ، قال له كوز : فما يمنعك منه ، وأنت تعلم هذا ؟ قال : ما صنع بنا هؤلاء القوم ، شرفونا ، ومولونا ، وأكرمونا ، وقد أبوا إلا خلافه ، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى ، فأضمر عليها منه أخوه كوز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك ، فهو كان يحدث هذا الحديث عنه ، فيما بلغني .


        [ ص: 109 ] قال أحمد : وحدثنا إبراهيم بن سعد هذا الحديث ، عن محمد بن إسحاق ، عن ابن سفيان الأسلمي ، عن عبد الرحمن بن البيلماني .

        199 - وحدثنا علي ، قال : حدثنا أحمد ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، قال : قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فدخلوا عليه مسجده ، حين صلى العصر ، عليهم ثياب الحبرات ؛ جبب وأردية في جمال رجال للحارث بن كعب ، قال : يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ : ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم ، وقد حانت صلاتهم ، فقاموا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يصلون ، فمنعوهم ؛ فقال رسول الله : دعوهم! فصلوا إلى المشرق . وكانت تسمية الأربعة عشر منهم الذي إليهم يؤول أمرهم : العاقب ، [وهو] عبد المسيح ، والسيد ، - وهو الأيهم- ، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل ، وأوس [و] الحارث ، وزيد ، وقيس ، ويزيد ، ونبيه ، وخويلد ، وعمرو ، وخالد ، وعبد الله ، ويحنس في ستين راكبا . فكلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهم أبو حارثة بن علقمة ، والعاقب ، وعبد المسيح ، والأيهم السيد ، وهو من النصرانية على دين الملك ، مع اختلاف من أمرهم ، يقولون : هو الله ، ويقولون : هو ولد الله ، ويقولون : هو ثالث ثلاثة ، وكذلك قول النصرانية فهم [ ص: 110 ] يحتجون في قولهم يقولون : هو الله بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرئ الأسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير ، ثم ينفخ فيه ، فيكون طائرا ، وذلك كله بإذن الله ليجعله آية للناس! .

        ويحتجون في قولهم ، بأنه ولد أنهم يقولون : لم يكن له أب يعلم ، وقد تكلم في المهد شيئا ، لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله! ويحتجون في قولهم : إنه ثالث ثلاثة بقول الله عز وجل : فعلنا ، وأمرنا ، وخلقنا ، وقضينا ، فيقولون : لو كان واحدا ما قال : إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت ، ولكنه هو وعيسى بن مريم ، ففي كل ذلك من قولهم ، فلما كلمه الحبران ، قال لهما رسول الله : أسلما . قالا : قد أسلمنا قبلك ، قال : كذبتما ، يمنعكما من الإسلام ، دعاؤكما لله ولدا ، وعبادتكما الصليب ، وأكلكما الخنزير ، قالا : فمن أبوه يا محمد ؟ قال : فصمت رسول الله ، فلم يجبهما ؛ فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك من قولهم ، واختلاف أمرهم كله ، صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها ، فقال : الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، فافتتح السورة بتنزيه نفسه مما قالوه ، وتوحيده إياها بالخلق والأمر ، لا شريك له فيه ، وردا عليهم ما ابتدعوا من الكفر ، وجعلوا معه من الأنداد ، واحتجاجا عليهم بقولهم في صاحبهم ؛ لتعرفهم بذلك ضلالتهم ، فقال : الم الله لا إله إلا هو ، أي : ليس معه غيره شريك في أمره ، الحي ، الذي لا يموت ، وقد مات عيسى ، وصلب في قولهم ، [ ص: 111 ] القيوم ، القائم على مكانه من سلطانه في خلقه لا يزول ، وقد زال عيسى في قولهم عن مكانه الذي كان به ، وذهب عنه إلى غيره
        .

        200 - حدثنا علي بن المبارك ، قال : حدثنا زيد بن المبارك ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن ابن جريج ، في قوله : الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، قال : إن اليهود كانوا يجدون محمدا وأمته ، أن محمدا مبعوث ، ولا يدرون ما هذه أمة محمد ، فلما بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم ، وأنزل : الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، قالوا : قد كنا نعلم أن هذه الأمة مبعوثة ، وكنا لا ندري كم مدتها ؟ فإن كان محمد صادقا ، فهو نبي هذه الأمة ، قد بين لنا كم مدة محمد ؛ لأن الم في حساب جملنا إحدى وسبعون سنة ، فما نصنع بدين إنما هو واحد وسبعون سنة ؟! فلما نزلت : الر ، وكانت في حساب جملهم مائتي سنة ، وواحدة وثلاثين سنة ، فقالوا : هذا الآن مائتان وواحد وثلاثون سنة ، مع واحدة وسبعين قبل ، ثم أنزل : المر ، فكان في حساب جملهم مائتي سنة وواحدة وسبعين سنة ، في نحو هذا من صدور السور ، فقالوا : قد التبس علينا أمره [ ص: 112 ] .

        قوله جل وعز : الم الله لا إله إلا هو .

        201 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، عن أبي عبيد ، عن الكسائي ، في قوله : الم الله لا إله إلا هو ، قال : إنما انفتحت الميم ، ولم تنخفض لفتحة الألف واللام التي استقبلتها ، وقد فسرناه في البقرة .

        202 - أخبرنا علي ، قال : حدثنا الأثرم ، عن أبي عبيدة : الم ، افتتاح كلام شعار للسورة ، وقد مضى تفسيرها في البقرة ، ثم انقطع ، فقلت : الله لا إله إلا هو استئناف .

        قوله جل وعز : الحي القيوم .

        203 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، عن أبي عبيد ، قال : حدثنا حجاج ، عن هارون بن موسى ، عن محمد بن عمرو علقمة ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن أبيه ، عن عمر ، أنه صلى العشاء الآخرة ، فاستفتح آل عمران ، فقرأ : (الم الله لا إله إلا هو الحي القيام) ، قال : [ ص: 113 ] قال هارون : وهي في مصحف عبد الله مكتوبة : الحي القيم .

        204 - حدثنا علي ، عن أبي عبيد ، قال : حدثنا شعبة ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، أنه قرأها : الحي القيام ، قال : قلت : أأنت سمعتها منه ؟ قال : لا أدري .

        205 - حدثنا علي ، عن أبي عبيد ، قال : فهذا من الفعل فيعال من قمت ، أصلها : قيوام ، فانقلبت الواو ياء ، ولو أنه فعال لكان : قوام ، كقول الله تبارك وتعالى : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ، وقال أبو عبيد ، في قوله عز وجل : القيوم : " هي من الفعل : فيعول ، وكان في الأصل أن يكون : قيوم ، فانقلبت الواو لسكون الياء التي قبلها ، وكذلك القيام .

        206 - حدثنا علي بن المبارك ، قال : حدثنا زيد بن المبارك ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، في قوله عز وجل : الحي القيوم ، قال : القائم على كل شيء [ ص: 114 ] .

        التالي السابق


        الخدمات العلمية