الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
ونذكر قول من تأول هذه الأحاديث فيها أقوال: ومن العلماء من قال بالأحاديث كلها ولم يجز فيها الترك منهم أحمد بن حنبل وكان هذا مذهبه فقال: يحج الإنسان عن الإنسان ويتصدق عنه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ومن مات وعليه صيام شهر رمضان أطعم عنه لكل يوم، ومن مات وعليه صيام نذر صام عنه وليه"،  كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 45 ] ومن العلماء من قال ببعض الأحاديث فقال: يحج الإنسان عن الإنسان ولا يصوم عنه ولا يصلي،  وهذا مذهب الشافعي ، ومنهم من قال: لا يجوز في عمل الأبدان أن يعملها أحد عن أحد ولا يحج أحد عن أحد وهذا قول مالك بن أنس ومنهم من قال: الأحاديث صحيحة ولكن هي محمولة على الآية وإنما يحج الإنسان عن الإنسان إذا أمره أو أوصى بذلك أو كان له فيه سعي حتى يكون موافقا لقوله تعالى: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ، ومنهم من قال: لا يعمل أحد عن أحد شيئا فإن عمله فهو لنفسه كما قال عز وجل وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ، وقال في الأحاديث سبيل الأنبياء عليهم السلام أن لا يمنعوا أحدا من فعل الخير .

قال أبو جعفر: وقول أحمد في هذا بين حسن وهو أصل مذهب الشافعي ، [ ص: 46 ] فإن قال قائل: فكيف يرد هذا إلى الآية ففي ذلك جوابان أحدهما أن ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم وصح عنه فهو مضموم إلى القرآن .

855 - كما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي ، قال: حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي ، قال: حدثنا ابن عيينة ، عن ابن المنكدر ، وأبي النضر ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه، أو غيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه " [ ص: 47 ] .

قال أبو جعفر: وهذا جواب جماعة من الفقهاء أن يضم الحديث إلى القرآن كما قال تعالى: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ثم حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير فكان مضموما إلى الآية، وكان أحمد رحمه الله من أكثر الناس اتباعا لهذا حتى قال: من احتجم وهو صائم فقد أفطر هو وحاجمه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 48 ] وفي الأحاديث تأويل آخر فيه لطف ودقة وهو أن الله عز وجل إنما قال: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ولام الخفض معناها في العربية الملك والإيجاب فليس يجب للإنسان إلا ما سعى وإذا تصدق عنه غيره فليس يجب له شيء إلا أن الله تعالى يتفضل عليه بما لم يجب له كما يتفضل على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير عمل .

[ ص: 49 ] قال أبو جعفر: فعلى هذا يصح تأويل الأحاديث .

التالي السابق


الخدمات العلمية