والصحيح في الآية السادسة عشرة أنها منسوخة.
باب ذكر الآية السادسة عشرة.
قال جل وعز: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير الآية.
العلماء على أن هذه الآية منسوخة وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح غير عطاء فإنه قال:
92 - "الآية محكمة ولا يجوز القتال في الأشهر الحرم".
93 - ويحتج له بما حدثناه إبراهيم بن شريك ، قال: حدثنا أحمد يعني ابن عبد الله بن يونس ، قال: حدثنا ليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى أو يغزو فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ".
قال وهذا الحديث يجوز أن يكون قبل نسخ الآية. أبو جعفر:
[ ص: 536 ] ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وقتادة على أن الآية منسوخة فمن ذلك: والأوزاعي
94 - ما حدثناه عليل بن أحمد ، قال: حدثنا ، قال: حدثنا محمد بن هشام ، قال: حدثنا عاصم بن سليمان ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال: وقوله ابن عباس يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه أي في الشهر الحرام قل قتال فيه كبير " أي عظيم، فكان القتال فيه محظورا حتى نسخته آية السيف في براءة فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فأبيحوا القتال في الأشهر الحرم وفي غيرها ".
95 - حدثنا جعفر بن مجاشع ، قال: حدثنا ، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق عبيد [ ص: 537 ] الله ، قال: حدثنا يزيد ، قال: أخبرنا سعيد ، عن ، في قوله جل وعز قتادة يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير " فكان كذلك حتى نسخه هاتان الآيتان في براءة فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ثم قال جل وعز وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة والأشهر الحرم عهد كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش، انسلاخ أربعة أشهر بعد يوم النحر لمن كان له عهد ومن لم يكن له عهد فإلى انسلاخ المحرم فأمر الله جل وعز نبيه صلى الله عليه وسلم إذا انسلخت الأشهر الأربعة أن يقاتل المشركين في الحرم وغيره حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ".
قال هذه الأشهر التي ذكرها أبو جعفر: وقال: "هي الحرم هي أشهر السياحة فسماها حرما؛ لأنه حظر القتال فيها" فأما الأشهر الحرم فهي أربعة والعلماء يختلفون في اللفظ بها فمن أهل قتادة المدينة من يقول: أولها ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، ومنهم من يبدأ برجب، وأهل الكوفة يقولون: أولها المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة، [ ص: 538 ] وينكرون ما قاله المدنيون وقالوا: قولنا أولى لتكون من سنة واحدة.
ومن قال من المدنيين: أولها رجب احتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة في شهر ربيع الأول فوجب أن يكون أولها رجب على هذا.
قال والأمر في هذا كله سهل؛ لأن الواو لا تدل على أن الثاني بعد الأول عند أحد من النحويين علمته فإذا كان الأمر على هذا فالأولى أن يؤتى بالأشهر الحرم على ما لفظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدي عنه بالأسانيد الصحاح وهو قول المدنيين الأول. أبو جعفر:
96 - روى أبو بكرة ، وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض فالسنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان".
قال وقد قامت الحجة بأن قوله جل وعز أبو جعفر: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه [ ص: 539 ] منسوخ بما ذكرناه من نص القرآن وقول العلماء وأيضا فإن النقل يبين ذلك؛ لأنه نقل إلينا أن هذه الآية نزلت في جمادى الآخرة أو في رجب في السنة الثانية من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن بحنين وثقيفا بالطائف في شوال وذي القعدة وذو القعدة من الأشهر الحرم وذلك في سنة ثمان من الهجرة.
قال فهذا ما في القتال والجهاد من الناسخ والمنسوخ في هذه السورة مجموعا بعضه إلى بعض ثم نرجع إلى ما فيها من ذكر الحج في الآية السابعة عشرة. أبو جعفر:
[ ص: 540 ]