الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
واختلف العلماء أيضا في الآية الثامنة والعشرين، فقال بعضهم هي ناسخة وقال بعضهم نزلت في شيء بعينه غير ناسخة وقال بعضهم هي عامة.

[ ص: 102 ] باب ذكر الآية الثامنة والعشرين .

قال جل وعز وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فمن قال إنها ناسخة احتج بأن الإنسان في أول الإسلام كان إذا أعسر من دين عليه بيع حتى يستوفي المدين دينه منه فنسخ الله جل وعز ذلك بقوله جل ثناؤه وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة  ويدلك على هذا القول:

282 - أن أحمد بن محمد الأزدي حدثنا، قال حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي ، قال حدثنا مسلم بن خالد الزنجي ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن البيلماني ، قال: " كنت بمصر فقال لي رجل ألا أدلك على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت بلى فأشار إلى رجل فجئته فقلت من أنت رحمك الله؟ فقال: أنا سرق فقلت: سبحان الله ما ينبغي لك أن تسمى بهذا الاسم وأنت رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماني سرقا فلن أدع ذلك أبدا قلت: ولم سماك سرقا؟ قال لقيت رجلا من أهل البادية ببعيرين له يبيعهما فابتعتهما منه وقلت انطلق معي حتى أعطيك فدخلت بيتي ثم خرجت من خلف خرج لي وقضيت بثمن البعيرين حاجتي وتغيبت حتى ظننت أن الأعرابي قد خرج [ ص: 103 ] فخرجت والأعرابي مقيم فأخذني فقدمني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حملك على ما صنعت قلت قضيت بثمنها حاجتي يا رسول الله قال: "فاقضه" قال: قلت ليس عندي قال: "أنت سرق ، اذهب به يا أعرابي فبعه حتى تستوفي حقك" قال فجعل الناس يسومونه بي ويلتفت إليهم فيقول ما تريدون؟ فيقولون نريد أن نبتاعه منك قال، فوالله إن منكم أحدا أحوج إليه مني اذهب فقد أعتقتك " قال أحمد بن محمد الأزدي ففي هذا الحديث بيع الحر في الدين  وقد [ ص: 104 ] كان ذلك في أول الإسلام يباع من عليه دين فيما عليه من الدين إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه حتى نسخ الله جل وعز ذلك فقال عز وجل وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة  فذهب قوم إلى أن هذه الآية إنما أنزلت في الربا وأنه إذا كان لرجل على رجل دين ولم يكن عنده ما يقضيه إياه حبس أبدا حتى يوفيه واحتجوا بقول الله جل وعز: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها هذا قول شريح ، وإبراهيم النخعي.

283 - كما حدثنا أحمد بن محمد بن نافع ، قال حدثنا سلمة ، قال حدثنا عبد الرزاق ، قال أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، في قول الله جل وعز وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة قال: " خاصم رجل إلى شريح في دين له فقال آخر يعذر صاحبه إنه معسر وقد قال الله تعالى: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فقال شريح كان هذا في الربا وإنما كان في الأنصار وإن الله تعالى قال: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل [ ص: 105 ] ولا يأمرنا الله جل وعز بشيء ثم نخالفه احبسوه إلى جنب السارية حتى يوفيه"  وقال جماعة من أهل العلم فنظرة إلى ميسرة عامة في جميع الناس وكل من أعسر أنظر  وهذا قول أبي هريرة ، والحسن وجماعة من الفقهاء وعارض في هذه الأقوال بعض الفقهاء بأشياء من النظر والنحو واحتج بأنه لا يجوز أن يكون هذا في الربا قال لأن الربا قد أبطل فكيف يقال فيه وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم واحتج من النحو بأنه لو كان في الربا لكان وإن كان ذا عسرة لأنه قد تقدم ذكره فلما كان في السواد وإن كان ذو عسرة علم أنه منقطع من الأول [ ص: 106 ] عام لكل من كان ذا عسرة وكانت كان بمعنى وقع وحدث كما قال:


فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوم ذو كواكب أشهب

قال أبو جعفر: وهذا الاحتجاج ظاهره حسن فإذا فتشت عنه لم يلزم وذلك أن قوله الربا قد أبطله الله تعالى فالأمر في قوله قد أبطله الله تعالى صحيح إن كان يريد ألا يعمل به وإلا فقد قال فلكم رءوس أموالكم فما الذي يمنع أن يكون الإعسار في مثل هذا [ ص: 107 ] وأما احتجاجه بالنحو فلا يلزم قد يجوز أن يكون التقدير وإن كان منهم ذو عسرة وقد حكى النحويون المرء مقتول بما قتل به إن خنجر فخنجر وإن كان يجوز فيه غير هذا وأحسن ما قيل في الآية قول عطاء ، والضحاك قالا: 284 - "هي في الربا والدين في كله" فهذا قول يجمع الأقوال لأنه يجوز أن تكون ناسخة عامة نزلت في الربا ثم صار حكم غيره كحكمه ولا سيما وقد روى يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عباس قال: 285 - نزلت في الربا وهذا توقيف من ابن عباس بحقيقة الأمر مما لا يجوز أن يؤخذ بقياس ولا رأي لأنه خبر أنها نزلت فيه [ ص: 108 ] فأما وأن تصدقوا خير لكم فجعله قتادة على الموسر والمعسر، وقال السدي على المعسر وهذا أولى لأنه يليه واختلفوا في الآية التاسعة والعشرين فجاء الاختلاف فيها عن الصدر الأول والثاني.

[ ص: 109 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية