الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              160 - الأحنف بن قيس السعدي التميمي .

                                                              يكنى أبا بحر ، واسمه الضحاك بن قيس . وقيل : صخر بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة بن النزال [ ص: 145 ] ابن مرة بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ، وأمه من باهلة ، كان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن هنالك ذكرناه في الصحابة ، لأنه أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                              أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا أحمد ابن زهير ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس ، قال : بينا أنا أطوف بالبيت في زمن عثمان رضي الله عنه إذ جاء رجل من بني ليث فأخذ بيدي ، فقال : ألا أبشرك؟ فقلت : بلى . قال : هل تذكر إذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومك بني سعد ، فجعلت أعرض عليهم الإسلام ، وأدعوهم إليه؟ فقلت أنت : إنه ليدعوكم إلى خير ، وما حسن إلا حسنا . فبلغت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم اغفر للأحنف . فقال الأحنف : هذا من أرجى عملي عندي   . كان الأحنف أحد الجلة الحلماء الدهاة الحكماء العقلاء ، يعد في كبار التابعين بالبصرة .

                                                              وتوفي الأحنف بن قيس بالكوفة في إمارة مصعب بن الزبير سنة سبع وستين ، ومشى مصعب في جنازته .

                                                              قال أبو عمر رحمه الله : ذكرنا الأحنف بن قيس في كتابنا هذا على شرطنا أن نذكر كل من كان مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته . ولم نذكر أكثم بن صيفي لأنه لم يصح إسلامه في حياة رسول الله [ ص: 146 ] صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكره أبو علي بن السكن في كتاب الصحابة فلم يصنع شيئا ، والحديث الذي ذكره له في ذلك هو أن قال : لما بلغ أكثم بن صيفي مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يأتيه فأبى قومه أن يدعوه قالوا : أنت كبيرنا لم تك لتخف عليه . قال : فليأت من يبلغه عني ويبلغني عنه قال : فانتدب له رجلان فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالا : نحن رسل أكثم بن صيفي ، وهو يسألك من أنت؟ وما أنت؟ وبم جئت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنا محمد بن عبد الله ، وأنا عبد الله ورسوله ، ثم تلا عليهم هذه الآية : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر الآية . فأتيا أكثم فقالا : أبى أن يرفع نسبه ، فسألناه عن نسبه فوجدناه زاكي النسب واسطا في مضر ، وقد رمى إلينا بكلمات قد حفظناهن ، فلما سمعهن أكثم قال : أي قوم ، أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها ، فكونوا في هذا الأمر رؤساء ، ولا تكونوا فيه أذنابا ، وكونوا فيه أولا ، ولا تكونوا فيه آخرا ، فلم يلبث أن حضرته الوفاة ، فقال : أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم ، فإنه لا يبلى عليهما أصل . وذكر الحديث إلى آخره .

                                                              قال ابن السكن : والحديث حدثناه يحيى بن محمد بن صاعد إملاء ، قال حدثنا الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر . قال : حدثنا عمر بن علي المقدمي عن علي بن عبد الملك بن عمير عن أبيه قال لما بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر الخبر على حسب ما أوردناه ، وليس في هذا الخبر شيء يدل على إسلامه ، بل فيه بيان واضح أنه إذ أتاه [ ص: 147 ] الرجلان اللذان بعثهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبراه بما قال لم يلبث أن مات ، ومثل هذا لا يجوز إدخاله في الصحابة وبالله التوفيق .

                                                              التالي السابق


                                                              الخدمات العلمية