الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              باب أبي

                                                              6 - أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار ، وهو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأكبر الأنصاري المعاوي ، وبنو معاوية بن عمرو يعرفون ببني جديلة ، وهى أمهم ، ينسبون إليها ، وهي جديلة بنت مالك بن زيد الله بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج ، [وأبوهم معاوية بن عمرو ] ، وهي أم معاوية بن عمرو ، وأمه صهيلة بنت الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار ، وهي عمة أبي طلحة الأنصاري .

                                                              وزعم ابن سيرين أن النجار إنما سمي النجار لأنه اختتن بقدوم ، وقال غيره : بل ضرب وجه رجل بقدوم فنجره فقيل له النجار ، يكنى أبي بن كعب أبا الطفيل [بابنه] ، وأبا المنذر [ ص: 66 ] .

                                                              روى وكيع عن طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري ، قال : جاء أبي بن كعب إلى عمر رضي الله عنه فقال : يا ابن الخطاب فقال له عمر : يا أبا الطفيل ، في حديث ذكره .

                                                              أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، وسعيد بن نصر ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبد الأعلى عن الجريري عن أبي السليل ، عن عبد الله بن رباح عن أبي بن كعب ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا أبا المنذر ، أي آية معك في كتاب الله عز وجل أعظم؟ فقلت : الله لا إله إلا هو الحي القيوم . قال : فضرب صدري وقال : ليهنئك العلم أبا المنذر .  وذكر تمام الحديث .

                                                              قال أبو عمر : شهد أبي بن كعب العقبة الثانية ، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، ثم شهد بدرا ، وكان أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله . روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : أقرأ أمتي أبي ،  وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال له : أمرت أن أقرأ عليك القرآن ، أو أعرض عليك القرآن . أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا جعفر بن محمد الصائغ ، قال ، حدثنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا عبد الله بن المبارك ، قال : أخبرني الأجلح عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن [ ص: 67 ] أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . أمرت أن أقرأ عليك القرآن ، قال قلت : يا رسول الله ، سماني لك ربك؟ قال : نعم .

                                                              فقرأ علي : (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا هو خير مما يجمعون) . بالتاء جميعا .
                                                              قال أبو عمر : وقد روي عنه أنه قرأهما جميعا بالياء .

                                                              حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ ، قال : حدثنا عفان ، قال : حدثنا همام عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا أبيا فقال : إن الله أمرني أن أقرأ القرآن عليك ، قال : الله سماني لك؟ قال : نعم ، فجعل أبي يبكي . قال أنس : ونبيت أنه قرأ عليه : لم يكن الذين كفروا

                                                              قال عفان : وأخبرنا حماد بن سلمة ، قال : حدثنا علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار قال : سمعت أبا حية [الأنصاري] البدري قال : لما نزلت : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب . إلى آخرها ، قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم :

                                                              إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيا . فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي :

                                                              إن جبريل عليه السلام أمرني أن أقرئك هذه السورة . قال أبي : أو ذكرت ثم يا رسول الله؟ قال : نعم ، فبكى أبي .
                                                              وروي من حديث أبي قلابة عن أنس ، ومنهم من يرويه مرسلا ، وهو [ ص: 68 ] الأكثر ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ، وأقواهم في دين الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان ، وأقضاهم علي بن أبي طالب ، وأقرؤهم أبي بن كعب ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ، ولكل أمة أمين ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح . وقد ذكرنا لهذا الحديث طرقا فيما تقدم من هذا الكتاب . وقد روي من حديث أبي محجن الثقفي مثله سواء مسندا . وروي أيضا من وجه ثالث . وروينا عن عمر من وجوه أنه قال : أقضانا علي ، وأقرؤنا أبي ، وإنا لنترك أشياء من قراءة أبي .

                                                              وكان أبي بن كعب ممن كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي قبل زيد بن ثابت ومعه أيضا ، وكان زيد ألزم الصحابة لكتابة الوحي ، وكان يكتب كثيرا من الرسائل .

                                                              وذكر محمد بن سعد عن الواقدي عن أشياخه قال : أول من كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي مقدمه المدينة أبي بن كعب ، وهو أول من كتب في آخر الكتاب : وكتب فلان . قال : وكان أبي إذا لم يحضر دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن ثابت ، فيكتب . وكان أبي وزيد بن ثابت يكتبان الوحي بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم ، ويكتبان كتبه إلى الناس وما يقطع وغير ذلك .

                                                              قال الواقدي : وأول من كتب له من قريش عبد الله بن سعد أبي سرح ، ثم ارتد ورجع إلى مكة ، وفيه نزلت : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا [ ص: 69 ] أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء . الآية . وكان من المواظبين على كتاب الرسائل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن الأرقم الزهري ، وكان الكاتب لعهوده صلى الله عليه وآله وسلم إذا عهد ، وصلحه إذا صالح ، علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وممن كتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر الصديق ، وذكر ذلك عمر بن شبة وغيره في كتاب (الكتاب) . وفيه زيادات على هؤلاء أيضا عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص ، وحنظلة الأسيدي ، والعلاء بن الحضرمي ، وخالد بن الوليد ، وعبد الله بن رواحة ، ومحمد بن مسلمة ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وعبد الله بن أبي بن سلول ، والمغيرة بن شعبة ، وعمرو بن العاص ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وجهيم بن الصلت ، ومعيقيب بن أبي فاطمة ، وشرحبيل ابن حسنة رضي الله عنهم .

                                                              قال الواقدي : فلما كان عام الفتح وأسلم معاوية كتب له أيضا . قال أبو عمر : مات أبي بن كعب في خلافة عمر بن الخطاب ،  وقيل سنة تسع عشرة . وقيل : سنة اثنتين وعشرين . وقد قيل : إنه مات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين . وقال علي بن المديني : مات العباس وأبو سفيان ابن حرب وأبي بن كعب قريبا بعضهم من بعض في صدر خلافة عثمان رضي الله عنه ، والأكثر على أنه مات في خلافة عمر رحمهما الله ، يعد [ ص: 70 ] في أهل المدينة . روى عنه عبادة بن الصامت ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن خباب ، وابنه الطفيل بن أبي رضي الله عنهم .

                                                              التالي السابق


                                                              الخدمات العلمية