الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              باب جندب

                                                              339 - جندب بن جنادة، أبو ذر الغفاري، على أنه قد اختلف في اسمه، فقيل ما ذكرنا. وقيل برير بن جندب، ويقال برير بن عشرقة، وبرير بن جنادة. ويقال برير بن جنادة، كذا قال ابن إسحاق. وقيل برير بن جندب أيضا عن ابن إسحاق، ويقال جندب بن عبد الله. ويقال جندب بن السكن، والمشهور المحفوظ جندب بن جنادة، واختلف فيما بعد جنادة أيضا، فقيل: جنادة بن قيس بن عمرو بن صعير بن [عبيد بن] حرام بن غفار.

                                                              وقيل جندب بن جنادة بن صعير بن عبيد بن حرام بن غفار. وقيل: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار.

                                                              وأمه رملة بنت الوقيعة من بني غفار أيضا.

                                                              كان إسلام أبي ذر  قديما، فيقال: بعد ثلاثة، ويقال بعد أربعة، وقد روي عنه أنه قال: أنا ربع الإسلام. وقيل كان خامسا، ثم رجع إلى بلاد قومه بعد ما أسلم فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق ، ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فصحبه إلى أن مات، ثم خرج بعد وفاة أبي بكر [ ص: 253 ] رضي الله عنه إلى الشام، فلم يزل بها حتى ولي عثمان رضي الله عنه. ثم استقدمه عثمان لشكوى معاوية به وأسكنه الربذة ، فمات بها وصلى عليه عبد الله بن مسعود، صادفه وهو مقبل من الكوفة ، مع نفر فضلاء من أصحابه ، منهم: حجر بن الأدبر، ومالك بن الحارث الأشتر، وفتى من الأنصار ، دعتهم امرأته إليه فشهدوا موته، وغمضوا عينيه، وغسلوه وكفنوه في ثياب الأنصاري في خبر عجيب حسن فيه طول.

                                                              وفي خبر غيره أن ابن مسعود لما دعي إليه وذكر له بكى بكاء طويلا.

                                                              وقد قيل: إن ابن مسعود كان يومئذ مقبلا من المدينة إلى الكوفة فدعي إلى الصلاة عليه، فقال ابن مسعود: من هذا؟ قيل: أبو ذر. فبكى بكاء طويلا. وقال: أخي وخليلي، عاش وحده، ومات وحده، ويبعث وحده، طوبى له.

                                                              وكانت وفاته بالربذة سنة ثنتين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود رضي الله عنهما.

                                                              وذكر علي بن المديني، قال أخبرنا يحيى بن سليم، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر، عن أبيه عن أم ذر زوجة أبي ذر، قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت. فقال لي: ما يبكيك؟ فقلت: وما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض، وليس عندي ثوب يسعك كفنا لي ولا لك؟ ولا يد لي للقيام بجهازك. قال: فأبشري [ ص: 254 ] ولا تبكي؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبدا،  وقد مات لنا ثلاثة من الولد، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض، تشهده عصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة، فأنا ذلك الرجل، والله ما كذبت ولا كذبت فأبصري الطريق. قلت: وأنى وقد ذهب الحاج، وتقطعت الطريق؟ قال اذهبي فتبصري.

                                                              قالت: فكنت أشتد إلى الكثيب فأنظر ثم أرجع إليه فأمرضه، فبينا هو وأنا كذلك، إذ أنا برجال على رحالهم كأنهم الرخم تحث بهم رواحلهم، فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي فقالوا: يا أمة الله، ما لك؟ قلت: امرؤ من المسلمين يموت، تكفنونه؟ قالوا: ومن هو؟ قلت: أبو ذر. قالوا: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم. [قالت]: ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، فقال لهم: أبشروا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد هلك في قرية وجماعة، والله ما كذبت، [ولا كذبت] ، ولو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي [ ص: 255 ] لم أكفن إلا في ثوب هو لي أو لها، وإني أنشدكم لله ألا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد قارف بعض ما قال، إلا فتى من الأنصار ، فقال: أنا أكفنك يا عم في ردائي هذا، وفي ثوبين في عيبتي من غزل أمي. قال: أنت تكفنني [يا بني] .

                                                              قال: فكفنه الأنصاري وغسله في النفر الذين حضروه، وقاموا عليه ودفنوه في نفر كلهم يمان.
                                                              وروى عنه جماعة من الصحابة، وكان من أوعية العلم المبرزين في الزهد والورع والقول بالحق، سئل علي رضي الله عنه عن أبي ذر فقال: ذلك رجل وعى علما عجز عنه الناس، ثم أوكأ عليه، ولم يخرج شيئا منه.

                                                              وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أبو ذر في أمتي شبيه عيسى ابن مريم في زهده.  وبعضهم يرويه من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم، فلينظر إلى أبي ذر. ومن حديث ورقاء وغيره، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر،   [ومن سره أن ينظر إلى تواضع عيسى فلينظر إلى أبي ذر] [ ص: 256 ] .

                                                              وروي عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي الدرداء وغيره أنه قال: ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر. وقد ذكرنا إسناد حديث أبي الدرداء في باب اسمه من الكنى من كتابنا هذا إن شاء الله عز وجل.

                                                              وروى إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: كان قوتي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من تمر، فلست بزائد عليه حتى ألقى الله تعالى.

                                                              وفي بابه في الكنى من خبره ما لم يذكر هنا.

                                                              روى الأعمش عن شمر بن عطية عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم قال: كنت عند أبي الدرداء إذ دخل عليه رجل من أهل المدينة فسأله فقال: أين تركت أبا ذر؟ قال: بالربذة. فقال أبو الدرداء: إنا لله وإنا إليه راجعون لو أن أبا ذر قطع مني عضوا لما هجته، لما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه.

                                                              التالي السابق


                                                              الخدمات العلمية