الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              باب خالد

                                                              599 - خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي، يكنى أبا سعيد. أسلم قديما، يقال: إنه أسلم بعد أبي بكر الصديق فكان ثالثا أو رابعا. وقيل: كان خامسا. وقال ضمرة بن ربيعة: كان إسلام [ ص: 421 ] خالد مع إسلام أبي بكر الصديق، وذكر الواقدي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام عن إبراهيم بن عقبة قال: سمعت أم خالد بنت خالد بن سعيد ابن العاص تقول: كان أبي خامسا في الإسلام. قلت: من تقدمه؟ قالت: علي ابن أبي طالب، وابن أبي قحافة، وزيد بن حارثة، وسعد بن أبى وقاص.

                                                              قال أبو عمر: هاجر إلى أرض الحبشة مع امرأته الخزاعية، وولد له بها ابنه سعيد بن خالد وابنته أم خالد، واسمها أمة بنت خالد، وهاجر معه إلى أرض الحبشة أخوه عمرو بن سعيد بن العاص.

                                                              وذكر الواقدي، حدثنا جعفر، عن إبراهيم بن عقبة، عن أم خالد، قالت: وهاجر إلى أرض الحبشة المرة الثانية، وأقام بها بضع عشرة سنة، وولدت أنا بها، ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، فكلم المسلمين فأسهموا لنا، ثم رجعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأقمنا بها، وشهد أبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة القضاء وفتح مكة وحنينا والطائف وتبوك، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات اليمن، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي باليمن.

                                                              وروى إبراهيم بن عقبة، عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص، قالت: أبي أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم ، وكان قدومه من أرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب، واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات مذحج، واستعمله على صنعاء اليمن، فلم يزل عليها إلى أن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 422 ] .

                                                              ذكر موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: قتل خالد بن سعيد بن العاص يوم أجنادين. وذكر الدولابي، عن ابن سعدان، عن الحسن بن عثمان، قال:

                                                              قتل بأجنادين ثلاثة عشر رجلا، منهم خالد وعمرو ابنا سعيد بن العاص. قال: وقال محمد بن يوسف: كانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى لليلتين بقيتا منه يوم السبت نصف النهار سنة ثلاث عشرة قبل وفاة أبي بكر بأربع وعشرين ليلة. وقيل: بل قتل خالد بن سعيد بن العاص بمرج الصفر سنة أربع عشرة في صدر خلافة عمر.

                                                              قال الزبير لخالد بن سعيد بن العاص: وهب عمرو بن معديكرب الصمصامة، وذكر شعره في ذلك.

                                                              وذكر البغوي قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه عن خالد بن سعيد أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه خاتم من فضة مكتوب عليه « محمد رسول الله» . قال: فأخذه مني فلبسه، وهو الذي كان في يده.  

                                                              وقال خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد: أخبرني أبي أن أعمامه: خالدا، وأبانا، وعمرا، بني سعيد بن العاص رجعوا عن عمالتهم حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: ما لكم رجعتم عن عمالتكم؟ ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ارجعوا إلى أعمالكم. فقالوا:

                                                              نحن بنو أبي أحيحة، لا نعمل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا.

                                                              ثم مضوا إلى الشام فقتلوا جميعا
                                                              [ ص: 423 ] .

                                                              وكان خالد على اليمن، وأبان على البحرين، وعمرو على تيماء وخيبر وقرى عربية ، وكان الحكم يعلم الحكمة. ويقال : ما فتحت بالشام كورة إلا وجد فيها رجل من بني سعيد بن العاص ميتا.

                                                              وكان سعيد بن سعيد بن العاص قد قتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطائف.

                                                              قال الواقدي: وحدثنا جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، قال: كان إسلام خالد بن سعيد قديما، وكان أول إخوته إسلاما، وكان بدء إسلامه أنه رأى في النوم أنه وقف به على شفير النار، فذكر من سعتهما ما الله أعلم به ، وكأن أباه يدفعه فيها، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بحقويه لا يقع فيها، ففزع، وقال: أحلف بالله إنها لرؤيا حق، ولقي أبا بكر بن أبي قحافة فذكر ذلك له، فقال أبو بكر: أريد بك خيرا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه، وإنك ستتبعه في الإسلام الذي يحجزك من أن تقع فيها، وأبوك واقع فيها. فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأجياد، فقال: يا محمد، إلى من تدعو؟ فقال: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، ولا يدري من عبده ممن لم يعبده.  قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه، وتغيب خالد، وعلم أبوه بإسلامه، فأرسل في طلبه من بقي من ولده، [ ص: 424 ] ولم يكونوا أسلموا، فوجدوه فأتوا به أباه أبا أحيحة، فسبه وبكته وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه، ثم قال له: اتبعت محمدا وأصحابه، وأنت ترى خلافه قومه وما جاء به من عيب آلهتهم وعيب من مضى من آبائهم. فقال: قد والله تبعته على ما جاء به. فغضب أبو أحيحة ونال منه وشتمه، وقال: اذهب يا لكع حيث شئت. والله لأمنعنك القوت. فقال خالد: إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به، فأخرجه وقال لبنيه: لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت به. فانصرف خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يلزمه ويعيش معه، وتغيب عن أبيه في نواحي مكة حتى خرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فكان خالد أول من خرج إليها.

                                                              وقال محمد بن سعد: حدثنا الوليد بن عطاء بن الأغر المكي، وأحمد بن [محمد بن] الوليد الأزرقي، قالا: حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي، عن جده، عن عمه خالد بن سعيد أن سعيد بن العاص بن أمية مرض فقال. لئن رفعني الله من مرضي هذا لا يعبد إله ابن أبي كبشة بمكة أبدا. فقال خالد بن سعيد عند ذلك: اللهم لا ترفعه، فتوفي في مرضه ذلك.

                                                              التالي السابق


                                                              الخدمات العلمية