الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              مسألة: للمغرب وقتان فالأول الغروب. والثاني: إلى غيبوبة الشفق.  وقال [ ص: 277 ] مالك ، والشافعي: وقت واحد.

                                                              لنا ستة أحاديث: [ ص: 278 ]

                                                              الحديث الأول:

                                                              315 - أخبرنا هبة الله بن محمد ، أنبأنا الحسن بن علي ، أنبأنا أحمد بن جعفر ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال: حدثني أبي ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن الأعمش ، عن أبي صالح عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن للصلاة أولا وآخرا ، وإن أول وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس ، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر ، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها ، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس ، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس ، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق ، وإن أول وقت عشاء الآخرة حين يغيب الأفق ، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل. وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر ، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس".

                                                              [ ص: 279 ] قالوا: قد قال البخاري: حديث الأعمش ، عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث ابن فضيل ، عن الأعمش. وحديث ابن فضيل خطأ ، أخطأ فيه ابن فضيل ، وكذلك قال الدارقطني : لا يصح حديث ابن فضيل مسندا ، وهم ابن فضيل في إسناده ، وغيره يرويه عن الأعمش ، عن مجاهد مرسلا. قلنا: ابن فضيل ثقة ، فيجوز أن يكون الأعمش قد سمعه من مجاهد مرسلا ، وسمعه من أبي صالح مسندا.

                                                              الحديث الثاني:

                                                              316 - أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، أنبأنا الأزدي ، والغورجي ، قال: أنبأنا ابن الجراح ، قال: حدثنا ابن محبوب ، حدثنا أبو عيسى ، حدثنا أحمد بن منيع ، حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق ، عن سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم- رجل ، فسأله عن مواقيت الصلاة؟ فقال: "أقم معنا" ، فأمر بلالا فأقام ، فصلى حين طلع الفجر ، ثم أمره فأقام حين زالت الشمس فصلى الظهر ، ثم أمره فأقام فصلى العصر والشمس بيضاء مرتفعة ، ثم أمره بالمغرب حين وقع حاجب الشمس ، ثم أمره بالعشاء ، فأقام حين غاب الشفق ، ثم أمره من الغد ، فنور بالفجر ، ثم أمره بالظهر فأبرد ، وأنعم أن يبرد ، وأمره بالعصر فأقام والشمس آخر وقتها فوق ما كانت ، ثم أمره فأخر المغرب إلى قبيل أن يغيب الشفق ، ثم أمره بالعشاء ، فأقام حين ذهب ثلث الليل. ثم قال: "أين السائل عن مواقيت الصلاة؟" قال الرجل: أنا. "مواقيت الصلاة ما بين هذين". قال الترمذي : هذا حسن صحيح.

                                                              الحديث الثالث:

                                                              317 - أخبرنا أبو الحسين بن عبد الخالق ، أنبأنا أبو طاهر بن يوسف ، أنبأنا محمد بن [ ص: 280 ] عبد الملك ، حدثنا علي بن عمر ، حدثنا أحمد بن العلاء ، حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا بدر بن عثمان ، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي موسى ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: أتاه سائل فسأله عن مواقيت الصلاة؟ فأمر بلالا فأقام - وذكر نحو حديث بريدة - وقال: "الوقت ما بين هذين ، انفرد بإخراجه مسلم .

                                                              الحديث الرابع:

                                                              318 - أخبرنا هبة الله بن محمد ، أنبأنا الحسن بن علي ، أنبأنا أحمد بن جعفر ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال: حدثني أبي ، حدثنا عبد الصمد ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة ، عن أبي أيوب ، عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس ، وكان ظل كل شيء كطوله ، ما لم يحضر العصر ، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ، ووقت المغرب ما لم يغرب الشفق ، ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط ، ووقت الفجر من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس" انفرد بإخراجه مسلم .

                                                              الحديث الخامس:

                                                              319 - وبالإسناد: حدثنا أحمد ، قال: حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا حضر العشاء ، فأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء" .

                                                              طريق آخر:

                                                              320 - أخبرنا عبد الأول ، قال: أنبأنا الداودي ، أنبأنا ابن أعين ، قال: حدثنا الفربري ، حدثنا البخاري ، قال: حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم". أخرجاه في الصحيحين.

                                                              الحديث السادس:

                                                              321 - وبالإسناد: حدثنا البخاري ، حدثنا عبيد بن إسماعيل ، عن أبي أسامة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء. ولا يعجل حتى يفرغ منه" وكان ابن عمر يوضع له الطعام [ ص: 281 ] وتقام الصلاة ، فلا يأتيها حتى يفرغ ، وإنه ليسمع قراءة الإمام. أخرجاه في الصحيحين. احتجوا بأحاديث:

                                                              أحدها:

                                                              حديث ابن عباس: "ثم صلى المغرب لوقته الأول". وقد سبق إسناده.

                                                              والثاني: حديث جابر: وهو مثل حديث ابن عباس ، وقد ذكرناه ، وفيه "ثم جاءه المغرب في المرة الثانية حين غابت الشمس وقتا واحدا" .

                                                              الحديث الثالث:

                                                              322 - أخبرنا عبد الحق ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد ، حدثنا محمد بن عبد الملك ، حدثنا الدارقطني ، قال: حدثنا ابن صاعد ، حدثنا حميد بن الربيع ، حدثنا محبوب بن الجهم ، حدثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل حين طلع الفجر -فذكر الحديث- وقال في المغرب: ثم أتاني حين سقط القرص ، فقال: قم فصل ، ثم أتاني في الغد حين سقط القرص فقال: قم فصل" .

                                                              323 - قال الدارقطني : وحدثنا عثمان بن أحمد بن السماك الدقاق ، حدثنا أحمد بن علي الخزاز ، حدثنا سعيد بن سليمان سعدويه ، حدثنا أيوب بن عتبة ، حدثنا أبو بكر بن عمرو بن حزم ، عن عروة بن الزبير ، عن ابن أبي مسعود ، عن أبيه -إن شاء الله: "أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم -حين دلكت الشمس- يعني زالت- ثم ذكر المواقيت وقال: ثم أتاه من الغد حين غابت الشمس وقتا واحدا ، فقال: قم فصل" .

                                                              324 - قال الدارقطني : ، حدثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي ، حدثنا الحسين بن حريث المروزي ، حدثنا الفضل بن موسى السيناني ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا جبريل يعلمكم دينكم فصلى -وذكر حديث المواقيت- وقال فيه: ثم صلى المغرب حين غربت الشمس. وكذلك صلاها في اليوم الثاني".

                                                              [ ص: 282 ] أخبرنا هبة الله بن محمد ، أنبأنا الحسن بن علي ، أنبأنا أحمد بن جعفر ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، حدثنا إسماعيل بن عيسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا بكير بن عبد الله الأشج ، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الساعدي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمني جبريل -فذكر الحديث وفيه: وصلى حين غابت الشمس في اليومين" .

                                                              325 - قال أحمد: وحدثنا قتيبة ، قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أسلم أبي عمران ، عن أبي أيوب الأنصاري ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول : "بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم" .

                                                              326 - قال أحمد: وحدثنا إسماعيل ، أنبأنا محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن مرثد بن عبد الله اليزني ، قال: "قدم علينا أبو أيوب غازيا وعقبة بن عامر يومئذ على مصر فأخر المغرب ، فقام إليه أبو أيوب ، فقال: ما هذه الصلاة يا عقبة؟ قال: شغلنا. قال: أما والله ما بي إلا أن يظن الناس أنك رأيت رسول الله يصنع هذا. أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول: لا تزال أمتي بخير -أو على الفطرة- ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم".

                                                              والجواب عن هذه الأحاديث أنه قد طعن في أكثرها ففي إسناد حديث ابن عمر حميد بن الربيع ، قال: يحيى هو كذاب ، وقال النسائي: ليس بشيء. وفيهن محبوب بن الجهم ، قال أبو حاتم بن حبان: يروي عن عبيد الله بن عمر الأشياء ليست من حديثه ، وفي حديث أبي مسعود ، أيوب بن عتبة ، قال يحيى: ليس بشيء ، وقال النسائي: مضطرب الحديث. وقال علي بن الجنيد: شبه المتروك وفي حديث أبي سعيد ، وأبي أيوب: ابن لهيعة ، وهو ذاهب الحديث. وفي طريقه الثاني ابن إسحاق وقد كذبه مالك.

                                                              [ ص: 283 ] ثم قد أجاب أصحابنا بثلاثة أجوبة: أحدها: أن جبريل إنما أم رسول الله صلى الله عليه وسلم- بمكة ، والنبي صلى الله عليه وسلم- فعل ما فعل بالمدينة. وإنما يؤخذ بالآخر من أمره. والثاني: أن أخبارنا أصح وأكثر رواة. والثالث: أن فعله للمغرب في وقت واحد لا يدل على ألا وقت لها غيره ، ألا ترى أنه صلى العصر قبل اصفرار الشمس ، ولم يدل ذلك على أنه لا وقت لها غيره ، وأما أمره بالمبادرة إلى المغرب فلأجل الفضيلة .

                                                              التالي السابق


                                                              الخدمات العلمية