الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث الحجاج أنه دخل عليه سيابة بن عاصم السلمي فقال: "من أي البلدان أنت؟ قال: من حوران، قال: هل كان وراءك من غيث؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير، قال: انعت لنا كيف كان المطر وتبشيره؟  قال: أصابتني سحابة بحوران فوقع قطر كبار وقطر صغار، فكان الصغار لحمة للكبار، ووقع بسيطا متداركا، وهو السح الذي سمعت به، فواد سائل، وواد نادح، وأرض مقبلة، وأرض مدبرة، وأصابتني سحابة بالقريتين، فلبدت الدماث وأسالت العزاز، وصدعت عن الكمأة أماكنها، وجئتك في مثل وجار الضبع [ ص: 176 ] .

ثم دخل عليه رجل من بني أسد فقال له: هل كان وراءك من غيث؟ ، قال: اغبر البلاد، وأكل ما أشرف من الجنبة، فاستيقنا أنه عام سنة، فقال: بئس المخبر أنت".

حدثناه أحمد بن إبراهيم بن مالك، نا محمد بن أيوب، نا عبيد بن يعيش، نا يحيى بن يعلى المحاربي، عن عبد الكريم بن الجراح، عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن عباد بن موسى، عن الشعبي.

وأخبرناه ابن الأعرابي، نا الترقفي، نا سليمان بن أحمد الواسطي، نا أبو مسهر، نا عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، نا عباد بن موسى، عن الشعبي.

هكذا قال الترقفي: عيسى، عن عباد، وقال ابن ضريس: يونس، عن عباد، وزاد ابن الأعرابي في حديثه فقال: "لبدت الدماث، ودحضت التلاع، وملأت الحفر، وجئتك في ماء يجر الضبع، ويستخرجها من وجارها، فقاءت الأرض بعد الري، وامتلأت الإخاذ، وأفعمت الأودية".

قال: "ثم دخل عليه رجل من أهل اليمامة، فقال: هل كان وراءك من غيث؟ قال: نعم، كانت سماء ولم أرها، وسمعت الرواد تدعو إلى ريادتها، فسمعت قائلا يقول: أظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النيران، وتشكى فيها النساء، وتنافس فيها المعزى، قال: فلم يفهم الحجاج ما قال، فاعتل عليه بأهل الشام [ ص: 177 ] .

فقال له: ويحك، إنما تحدث أهل الشام فأفهمهم، فقال: أما طفء النيران; فإنه أخصب الناس، فكثر السمن والزبد واللبن، فلم يحتج إلى نار يختبز بها، وأما تشكي النساء; فإن المرأة تربق بهمها وتمخض لبنها، فتبيت ولها أنين، وأما تنافس المعزى; فإنها ترى من ورق الشجر وزهر النبات ما يشبع بطونها، ولا يشبع عيونها فتبيت ولها كظة من الشبع وتشتر، فتستنزل الدرة.

ثم دخل رجل من الموالي من أشد الناس في ذلك الزمان فقال له: هل كان وراءك من غيث؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير، غير أني لا أحسن أن أقول كما قال هؤلاء، إلا أنه أصابتني سحابة فلم أزل في ماء وطين حتى دخلت على الأمير، قال: فضحك الحجاج، ثم قال: والله لئن كنت من أقصرهم خطبة في المطر، إنك لمن أطولهم خطوة بالسيف".

قوله: "كيف كان المطر وتبشيره؟" يريد أول أمره وبدء وقوعه، واحد التباشير، وهي أوائل الأمور وما يتقدمها من أماراتها، ومنه تباشير الصبح، وقلما يفرد منه اسم، إنما يتكلم به في الغالب على لفظ الجمع.

والسح: شدة انصباب المطر، يقال: سح المطر يسح سحا، والنادح: من الندح وهو السعة، ومنه قولهم: إنه لفي مندوحة من الأمر، أي في سعة منه.

والدماث: السهول من الأرض، يقال: مكان دمث: أي سهل لين، يريد أن المطر قد لبدها فتعقدت [ ص: 178 ] .

والعزاز: ما صلب من الأرض واشتد منها، وقوله: دحضت التلاع، فإن التلاع هاهنا ما غلظ وارتفع من الأرض واحدها تلعة.

والدحض: الزلق، يريد أنها صارت زلقا لا تستمسك عليها الأرجل، يقال: دحضت رجلي: زلقت، ودحضت حجة فلان: إذا بطلت، وقد أدحضتها.

وقوله: "ماء يجر الضبع عن وجارها"، فإن وجار الضبع جحرها الذي تأوي إليه، وفيه لغتان: وجار ووجار.

قال الكسائي والفراء: يقال غيث جور، مكسورة الجيم مفتوحة الواو مشددة الراء، يذهبون إلى تأويل قولهم: غيث جار الضبع: أي يدخل على الضبع في وجارها حتى يذلقها منه.

قال أبو سليمان: فأما قوله في رواية ابن مالك: "وجئتك في مثل وجار الضبع" فإنه غلط، وإنما هو: "في مثل جار الضبع"، ومعناه ما ذكرته لك عن الكسائي والفراء.

وكان الأصمعي يقول: إنما هو غيث جؤر بالتخفيف والهمز، مثل: نغر: أي له صوت، من قولهم: جأر الرجل بالدعاء: إذا رفع صوته، وأنشد:


لا تسقه صيب عزاف جؤر

[ ص: 179 ] والإخاذ: مصانع الماء، واحدها أخذ، ويقال: إخذ، قال الشاعر يصف غيثا:


وغادر الإخذ والأوجاذ مترعة     تطفو وأسجل أنهاء وغدرانا

وواحد الأوجاذ وجذ، وهو مستنقع الماء.

قال أبو مالك: قال رجل لأعرابي فصيح: ألم يكن هاهنا وجذ؟ قال: بلى، أوجاذا، يريد عهدت أوجاذا، نصبه على إضمار فعل.

وقوله: أفعمت أي ملئت. وإناء مفعم: إذا لم يكن فيه متسع.

والجنبة من الشجر: ما يتروح في الصيف، وييبس في الشتاء.

قال أبو مالك: الجنبة: نبات يغلظ عن البقل ويرق عن الشجر .

والرواد: جمع رائد، وهو الذي يتقدم القوم، فيرتاد لهم الكلأ والمنزل.

وفي بعض الأمثال: "الرائد لا يكذب أهله"، يقال: راد يرود رودا وريادة، قال الشاعر:


فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا     بموقد نار محمد من يرودها

وقوله: تربق بهمها: أي تشد الأرباق في أعناق البهم، وهي صغار أولاد الغنم، يقال للواحد منها بهمة، الذكر والأنثى فيه سواء [ ص: 180 ] .

وأخبرني أبو عمر، عن أبي العباس ثعلب، عن ابن الأعرابي قال: العرب تقول: "رمدت الضأن فربق ربق"، "رمدت المعزى فرنق رنق"، وقال: وهو أن الضأن إذا تغيرت ضروعها ولدت سريعا.

تقول: فهي الأرباق لأولادها، والمعزى تبطئ، ومعنى رنق: احتبس وانتظر، ومنه ترنيق الطائر، وهو أن يرفرف قبل وقوعه إلى الأرض.

وقوله: تشتر، إنما هو تجتر بالجيم من الجرة، والشين قريبة المخرج منها، والعرب تقول: "لا أفعل ذلك ما اختلفت الجرة والدرة"، واختلافها أن الجرة تصعد والدرة تسفل.

وقوله: "إنك لمن أطولهم خطوة بالسيف": أي أشدهم تقدما في القتال، ومن هذا قول الشاعر:


إذا قصرت أسيافنا كان وصلها     خطانا إلى أعدائنا فنضارب



التالي السابق


الخدمات العلمية