ثم دخل عليه رجل من بني أسد فقال له: هل كان وراءك من غيث؟ ، قال: اغبر البلاد، وأكل ما أشرف من الجنبة، فاستيقنا أنه عام سنة، فقال: بئس المخبر أنت".
حدثناه أحمد بن إبراهيم بن مالك، نا نا محمد بن أيوب، نا عبيد بن يعيش، عن يحيى بن يعلى المحاربي، عبد الكريم بن الجراح، عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن عباد بن موسى، عن الشعبي.
وأخبرناه نا ابن الأعرابي، الترقفي، نا سليمان بن أحمد الواسطي، نا نا أبو مسهر، نا عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، عباد بن موسى، عن الشعبي.
هكذا قال الترقفي: عيسى، عن عباد، وقال ابن ضريس: يونس، عن عباد، وزاد في حديثه فقال: "لبدت الدماث، ودحضت التلاع، وملأت الحفر، وجئتك في ماء يجر الضبع، ويستخرجها من وجارها، فقاءت الأرض بعد الري، وامتلأت الإخاذ، وأفعمت الأودية". ابن الأعرابي
قال: "ثم دخل عليه رجل من أهل اليمامة، فقال: هل كان وراءك من غيث؟ قال: نعم، كانت سماء ولم أرها، وسمعت الرواد تدعو إلى ريادتها، فسمعت قائلا يقول: أظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النيران، وتشكى فيها النساء، وتنافس فيها المعزى، قال: فلم يفهم الحجاج ما قال، فاعتل عليه بأهل الشام [ ص: 177 ] .
فقال له: ويحك، إنما تحدث أهل الشام فأفهمهم، فقال: أما طفء النيران; فإنه أخصب الناس، فكثر السمن والزبد واللبن، فلم يحتج إلى نار يختبز بها، وأما تشكي النساء; فإن المرأة تربق بهمها وتمخض لبنها، فتبيت ولها أنين، وأما تنافس المعزى; فإنها ترى من ورق الشجر وزهر النبات ما يشبع بطونها، ولا يشبع عيونها فتبيت ولها كظة من الشبع وتشتر، فتستنزل الدرة.
ثم دخل رجل من الموالي من أشد الناس في ذلك الزمان فقال له: هل كان وراءك من غيث؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير، غير أني لا أحسن أن أقول كما قال هؤلاء، إلا أنه أصابتني سحابة فلم أزل في ماء وطين حتى دخلت على الأمير، قال: فضحك الحجاج، ثم قال: والله لئن كنت من أقصرهم خطبة في المطر، إنك لمن أطولهم خطوة بالسيف".
قوله: "كيف كان المطر وتبشيره؟" يريد أول أمره وبدء وقوعه، واحد التباشير، وهي أوائل الأمور وما يتقدمها من أماراتها، ومنه تباشير الصبح، وقلما يفرد منه اسم، إنما يتكلم به في الغالب على لفظ الجمع.
والسح: شدة انصباب المطر، يقال: سح المطر يسح سحا، والنادح: من الندح وهو السعة، ومنه قولهم: إنه لفي مندوحة من الأمر، أي في سعة منه.
والدماث: السهول من الأرض، يقال: مكان دمث: أي سهل لين، يريد أن المطر قد لبدها فتعقدت [ ص: 178 ] .
والعزاز: ما صلب من الأرض واشتد منها، وقوله: دحضت التلاع، فإن التلاع هاهنا ما غلظ وارتفع من الأرض واحدها تلعة.
والدحض: الزلق، يريد أنها صارت زلقا لا تستمسك عليها الأرجل، يقال: دحضت رجلي: زلقت، ودحضت حجة فلان: إذا بطلت، وقد أدحضتها.
وقوله: "ماء يجر الضبع عن وجارها"، فإن وجار الضبع جحرها الذي تأوي إليه، وفيه لغتان: وجار ووجار.
قال الكسائي يقال غيث جور، مكسورة الجيم مفتوحة الواو مشددة الراء، يذهبون إلى تأويل قولهم: غيث جار الضبع: أي يدخل على الضبع في وجارها حتى يذلقها منه. والفراء:
قال فأما قوله في رواية أبو سليمان: "وجئتك في مثل وجار الضبع" فإنه غلط، وإنما هو: "في مثل جار الضبع"، ومعناه ما ذكرته لك عن ابن مالك: الكسائي والفراء.
وكان يقول: إنما هو غيث جؤر بالتخفيف والهمز، مثل: نغر: أي له صوت، من قولهم: جأر الرجل بالدعاء: إذا رفع صوته، وأنشد: الأصمعي
لا تسقه صيب عزاف جؤر
[ ص: 179 ] والإخاذ: مصانع الماء، واحدها أخذ، ويقال: إخذ، قال الشاعر يصف غيثا:وغادر الإخذ والأوجاذ مترعة تطفو وأسجل أنهاء وغدرانا
قال قال رجل لأعرابي فصيح: ألم يكن هاهنا وجذ؟ قال: بلى، أوجاذا، يريد عهدت أوجاذا، نصبه على إضمار فعل. أبو مالك:
وقوله: أفعمت أي ملئت. وإناء مفعم: إذا لم يكن فيه متسع.
والجنبة من الشجر: ما يتروح في الصيف، وييبس في الشتاء.
قال الجنبة: نبات يغلظ عن البقل ويرق عن الشجر . أبو مالك:
والرواد: جمع رائد، وهو الذي يتقدم القوم، فيرتاد لهم الكلأ والمنزل.
وفي بعض الأمثال: "الرائد لا يكذب أهله"، يقال: راد يرود رودا وريادة، قال الشاعر:
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا بموقد نار محمد من يرودها
وأخبرني عن أبو عمر، عن أبي العباس ثعلب، قال: العرب تقول: "رمدت الضأن فربق ربق"، "رمدت المعزى فرنق رنق"، وقال: وهو أن الضأن إذا تغيرت ضروعها ولدت سريعا. ابن الأعرابي
تقول: فهي الأرباق لأولادها، والمعزى تبطئ، ومعنى رنق: احتبس وانتظر، ومنه ترنيق الطائر، وهو أن يرفرف قبل وقوعه إلى الأرض.
وقوله: تشتر، إنما هو تجتر بالجيم من الجرة، والشين قريبة المخرج منها، والعرب تقول: "لا أفعل ذلك ما اختلفت الجرة والدرة"، واختلافها أن الجرة تصعد والدرة تسفل.
وقوله: "إنك لمن أطولهم خطوة بالسيف": أي أشدهم تقدما في القتال، ومن هذا قول الشاعر:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضارب