الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث النبي صلى الله عليه أنه قال لعدي بن حاتم لما تأول قوله: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر "إن وسادك إذا لطويل عريض"   .

أخبرناه ابن داسة نا أبو داود نا مسدد نا حصين بن نمير قال ونا عثمان بن أبي شيبة نا ابن إدريس المعني عن حصين عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال لما نزلت هذه الآية: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر . أخذت عقالا أسود وعقالا أبيض فوضعتهما تحت وسادي فنظرت فلم أتبين فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه فقال: "إن وسادك إذا لطويل عريض إنما هو الليل والنهار " .

قوله: "إن وسادك إذا لعريض" معناه أن نومك إذا لطويل كنى بالوساد عن النوم لأن النائم يتوسده كما يكنى بالثياب عن البدن لأن الإنسان يلبسه أنشدني بعض أصحابنا أنشدنا ابن الأنباري [ ص: 232 ]

رموها بأثواب خفاف فلن ترى لها شبها إلا النعام المنفرى

أراد بأبدان خفاف.

وقال آخر:


معي كل فضفاض القميص كأنه     إذا ما سرى فيه المدام فنيق

وقد يكون فيه وجه غير هذا وهو أن يكون الوساد كناية عن موضع الوساد من رأسه وعنقه يدل على صحة هذا المعنى قوله في رواية أخرى من هذا الحديث "إنك إذا عريض القفا" .

حدثنيه خلف بن محمد الخيام ثنا إبراهيم بن معقل نا محمد بن إسماعيل الجعفي عن قتيبة عن جرير عن مطرف عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان قال: "إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين".

وعرض القفا يتأول على وجهين أحدهما أن يكون كناية عن الغباوة وسلامة الصدر يقال للرجل الغبي إنه لعريض القفا والوجه الآخر أن يكون أراد إنك غليظ الرقبة وافر اللحم لأن من أكل بعد الصبح لم ينهكه الصوم ولم يبن له أثر فيه وقد بين صلى الله عليه أن الخيط الأبيض إنما [ ص: 233 ] أريد به بياض النهار وهو أول ما يبدو معترضا في الأفق له وشائع كالخيوط قال أبو دواد الإيادي:


فلما أضاءت لنا سدفة     ولاح من الصبح خيط أنارا

وأنشدني الحسن بن خلاد أنشدني ابن دريد أنشدنا ابن أخي الأصمعي عن عمه لرجل يصف ليلا:


كأن بقايا الليل في أخرياته     ملاء تنقى من طيالسة خضر
بقاياه التي أسأر الدجى     تمد وشيعا فوق أردية الفجر

فشبهه بالوشيع لما يتراءى في خلاله من خيوط سواد وبياض.

التالي السابق


الخدمات العلمية