الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث النبي صلى الله عليه: "أن الأعشى واسمه عبد الله بن الأعور الحرمازي خرج في رجب يمير أهله من هجر فهربت امرأته بعده ناشزا عليه فعاذت برجل منهم يقال له مطرف بن بهصل فجعلها خلف ظهره فلما قدم أتى النبي صلى الله عليه فعاذ به وأنشأ يقول: [ ص: 240 ]

يا سيد الناس وديان العرب إليك أشكو ذربة من الذرب     كالذئبة الغبساء في ظل السرب
خرجت أبغيها الطعام في رجب     فخلفتني بنزاع وحرب
أخلفت الوعد ولطت بالذنب     وقذفتني بين عيص مؤتشب
وهن شر غالب لمن غلب

فقال النبي صلى الله عليه: "وهن شر غالب لمن غلب". فشكا امرأته وما صنعت به وأنها عند مطرف بن بهصل فكتب النبي صلى الله عليه إلى مطرف: "انظر امرأة هذا معاذة فادفعها إليه".
 


حدثنيه ابن الفارسي أخبرني محمد بن الحسين بن مكرم نا عمرو بن علي الفلاس نا عبيد بن عبد الرحمن بن عبيد الحنفي حدثني الجنيد بن أمين بن ذروة بن نضلة بن طريف بن بهصل الحرمازي حدثني أبي: أمين بن ذروة حدثني أبي: ذروة بن نضلة عن أبيه نضلة بن طريف.

الديان: الملك المطاع وهو الذي يدين الناس: أي يقهرهم على الطاعة. يقال: دان الرجل القوم إذا قهرهم فدانوا له إذا انقادوا، اللازم والمتعدي فيه سواء والديان الذي يلي المجازاة، والدين: الجزاء والله مالك يوم الدين أي يوم الجزاء، ولذلك قيل للحاكم الديان وفي بعض الكلام من ديان أرضكم؟ أي من الحاكم بين أهلها وأنشدني الرهني أنشدني ابن كيسان أو غيره [ ص: 241 ] :


لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب     عني ولا أنت دياني فتخزوني

يقال خزاه يخزوه إذا ساسه ومنه قول زياد قد خزونا وخزانا الخازون: أي ولينا الناس وولي علينا فعلمنا ما يصلح الراعي والمرعى وقوله: ذربة من الذرب يريد السليطة والذرب والذرابة حدة اللسان يقال سنان ذرب أي حديد وسيف ذرب أي ماض قال الأصمعي الذرب فساد اللسان وسوء لفظه وهو من قولهم ذربت معدته إذا فسدت وأنشد:


ولقد طويتكم على بللاتكم     وعلمت ما فيكم من الأذراب

وحكي عن أبي عبيدة أنه سئل عن الذرب فقال: هو سرعة اللسان بكلامه حتى لا يثبت الكلام فيه كذرب المعدة إذا فسدت فصار الغذاء لا يثبت فيها فهو معنى واحد يحمد في اللسان ويذم في المعدة والذئبة الغبساء هي التي في لونها طلسة وكذلك ألوان الذئاب والفعل منه اغباس وكذلك هو في كل لون متميل بين لونين كالصهبة والصحرة ونحوهما يقال اصهاب واصحار فأما اللون الخالص كالحمرة والبياض ونحوهما فالفعل منه احمر وابيض هذا إذا أردت أنه قد تمكن واستقر فإذا أردت التغير والاستحالة قلت احمار واصفار كقولك ما زال يحمار وجهه ويصفار فمن هذا حديث عبد الله قال أتيت رسول الله وهو نائم في ظل [ ص: 242 ] الكعبة، فاستيقظ محمارا وجهه وفي رواية أخرى: فاحمار وجهه حتى صار كأنه الصرف ، وهو شيء أحمر يصبغ به الأديم قال الشاعر:


كلون الصرف عل به الأديم

.

والعامة تجعل الصرف من أسماء الخمر  وإنما هو نعت لونها ومعنى قولهم شرب الخمر صرفا أي شربها بلونها لم يغيره بمزاج وكذلك قولهم في الجريال يجعلونه من أسماء الخمر وإنما هو لونها قال الأعشى:


وسبيئة مما تعتق بابل     كدم الذبيح سلبتها جريالها

.

أخبرني ابن الزئبقي نا الحسين بن حميد اللخمي نا التوزي نا الحرمازي نا شعبة عن سماك بن حرب عن أبيه حرب قال لقيت الأعشى في الجاهلية فقلت له ما عنيت بقولك سلبتها جريالها قال شربتها حمراء وبلتها بيضاء.

وقوله: أبغيها الطعام معناه أمتاره وأبغيه لها كقوله تعالى: وإذا كالوهم أو وزنوهم المعنى كالوا لهم، كقولهم: واختار موسى قومه : أي من قومه قال الشاعر [ ص: 243 ] :


أمرتك الخير فافعل ما أمرت به     فقد تركتك ذا مال وذا نشب

فحذف حرف الصفة يريد أمرتك بالخير وقال حميد بن ثور:


أنت الذي اختاره الرحمن أمته     فذاك غيظ على من قلبه حسك

وأكثر ما يقال البغي في طلب الشر وأقله ما جاء في طلب الخير كقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء شهر رمضان فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين وقيل يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر" .

وكقول زيد بن عمرو بن نفيل و كان رغب في الجاهلية عن عبادة الأوثان وطلب الدين فتنصر فكان يقول:


البر أبغي لا الخال     وهل مهجر كمن قال

وقوله: لطت بالذنب يريد أنها توارت عنه وأخفت شخصها دونه يقال: لط الغريم دوني إذا استخفى عنك وغيب شخصه وأصله من قولهم: لطت الناقة بذنبها إذا ألزقته بحيائها.

وفيه وجه آخر وهو أن يكون أراد أنها قد نشزت عليه وامتنعت عن التمكين من نفسها كما تمتنع الناقة على الفحل إذا حملت بأن تلصق ذنبها بحيائها.

[ ص: 244 ] قال أبو عبيدة يقال لططت به ألط لطا وألظ به إلظاظا بمعنى واحد وهو لزوم الشيء.

قال الشاعر:


ألا إن قومي لا تلط قدورهم     ولكنها توقدن بالعذرات

أي لا تستر قدورهم لكنها تنصب بالأفنية.

وقوله: قذفتني بين عيص مؤتشب فالعيص أصول الشجر والمؤتشب الملتف الملتبس قال جرير:


فما شجرات عيصك من قريش     بعشات الفروع ولا ضواحي

وضرب الشجر وائتشابه مثلا في التباس أمره عليه. ورواه لنا المحدث: بين غيض مؤتشب والرواية بين عيص على ما فسرناه وقوله: لمن غلب فإنما وحد الفعل وذكره لأنه رده إلى غالب فكأنه قال وهن شر شيء غالب لمن غلب.

التالي السابق


الخدمات العلمية