وقال في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: أبو سليمان "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" .
حدثناه نا الأصم، ابن عبد الحكم، أنا أخبرني ابن وهب، عن مالك بن أنس، عن أبيه، عن العلاء بن عبد الرحمن، أبي هريرة.
إسباغ الوضوء على المكاره فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون ذلك في البرد الشديد، والعلة تصيب الإنسان فيتأذى بمس الماء، ويتضرر به.
والوجه الآخر: أن يراد به إعواز الماء وضيقه حتى لا يقدر عليه إلا بالغالي من الثمن.
وأما قوله: فذلكم الرباط فإنه يتأول على وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك مصدرا من قولك: رابطت إذا لازمت الثغر وأقمت به رباطا، جعل المواظبة على الصلاة والمحافظة على أوقاتها كرباط [ ص: 285 ] المجاهد، وهو تأويل قوله: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا معناه -والله أعلم-: اصبروا على دينكم، وصابروا عدوكم، ورابطوا: أي: أقيموا على جهادكم.
والوجه الآخر: أن يجعل الرباط اسما لما يربط به الشيء، كالعقال لما يعقل به، والعصام لما يعصم به. يريد أن هذه الخلال تربط صاحبها عن المعاصي، وتكفه عن المحارم.
وفيه وجه ثالث: وهو أن يكون الرباط جمع الربط، والعرب تسمي الخيل إذا ربطت بالأقنية وعلقت ربطا واحدها: ربيط، وتجمع الربط رباطا، وهو جمع الجمع، يريد أن من فعل ذلك كان كمن ربط الخيل؛ إرصادا للجهاد.
وكرر القول بها ثلاثا ليقابل بها الخصال الثلاث المذكورة قبلها.