الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث النبي صلى الله عليه أنه قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم:  الفأرة، والعقرب، والحدأة، والغراب الأبقع، والكلب العقور".

[ ص: 603 ] أخبرناه ابن الأعرابي، نا الدقيقي، نا يزيد بن هارون، أنا يحيى بن سعيد، أن نافعا أخبره عن ابن عمر.

أصل الفسق الخروج من الشيء. ومنه قوله تعالى: ففسق عن أمر ربه : أي خرج. وسمي الرجل فاسقا لانسلاخه من الخير. قال ابن قتيبة: لا أرى الغراب سماه فاسقا إلا لتخلفه عن أمر نوح، حين أرسله، ووقوعه على الجيفة وعصيانه إياه. وحكي عن الفراء أنه قال: لا أحسب الفأرة سميت فويسقة إلا لخروجها من جحرها على الناس.

قال أبو سليمان : وليس يعجبني واحد من القولين، وقد بقي عليهما أن يقولا مثل ذلك في الحدأة والكلب إذ كان هذا النعت يجمعهما، وكان هذا اللقب يلزمهما لزومه الغراب والفأرة، وإنما أراد -والله أعلم- بالفسق الخروج من الحرمة، يقول: خمس لا حرمة لهن، ولا بقيا عليهن، ولا فدية على المحرم فيهن إذا أصابهن، وإنما أباح قتلهن دفعا لعاديتهن ؛ لأنهن كلهن من بين عاد قتال أو مؤذ ضرار.

وفيه وجه آخر، وهو أن يكون أراد بتفسيقها تحريم أكلها ؛ كقوله تعالى: وقد ذكر ما حرم من الميتة، والدم ولحم الخنزير إلى آخر الآية. ثم قال: ذلكم فسق ويدل على صحة ما ذكرناه حديث عائشة.

[ ص: 604 ] حدثنا ابن الفارسي، نا محمد بن يحيى المروزي، ثنا عاصم بن علي، ثنا المسعودي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه قال: "الغراب فاسق" فقال رجل: يؤكل لحم الغراب قالت: لا ومن يأكله بعد قوله: "فاسق".

وأخبرنا محمد بن المكي، أنا الصائغ، ثنا سعيد بن منصور، نا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: من يأكل الغراب وقد سماه رسول الله الفاسق.

وروى أبو أويس، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة أنها قالت: إني لأعجب ممن يأكل الغراب، وقد أذن رسول الله في قتله وسماه فاسقا، والله ما هو من الطيبات. تريد قوله تعالى: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث .

ومما يدل على أن العرب كانت تقذر لحمه قول الشاعر:


فما لحم الغراب لنا بزاد ولا سرطان أنهار البريص

وفيه من الفقه أن ما لا يؤكل لحمه فلا جزاء على المحرم في قتله.  

التالي السابق


الخدمات العلمية