الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث النبي صلى الله عليه: أن رجلا أتاه فقال: يا رسول الله، أبايعك على الجهاد، فقال: "هل لك من بعل؟ " قال: نعم، قال: "انطلق فجاهد، فإن لك فيه مجاهدا حسنا".  

يرويه أبو بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو.

قوله: "هل لك من بعل" يريد هل بقي من أهلك من تلزمك طاعته من والد أو والدة أو من في معناهما، يقال: هذا بعل الدار وبعل الدابة، أي مالكها. ومنه قيل لزوج المرأة بعل.

وروي عن ابن عباس في قوله: أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين . قال: ربا.

[ ص: 607 ] وأخبرني الحسن بن عبد الرحيم، نا عبد الله بن زيدان، نا هارون بن أبي بردة البجلي قال: قال ابن أبي روق: اختصم رجلان في ناقة، فمر ابن عباس عليهما وأحدهما يقول: أنا والله بعلها، أنا والله بعلها.

وهذا كحديثه الآخر: أن رجلا جاءه يريد الجهاد فقال له: "هل لك من حوبة؟" قال: نعم. قال: "ففيها فجاهد".

فسروها الأم. ويقال: إنها إنما سميت حوبة لما في تضييعها من الحوب، وهو الإثم. يقال: حاب الرجل إذا أثم يحوب حوبا. قال الشاعر:


وإن مهاجرين تكنفاها غداتئذ لقد ظلما وحابا

وقال المنخل السعدي:


وتخبرني شيبان أن لن يعقني     بلى جير إن فارقتني وتحوب

والحوب: المرض أيضا.

وأنشدني أبو عمر: أنشدنا أبو العباس ثعلب، عن أبي نصر، عن الأصمعي:


تداويت من ليلى بهجران بيتها     وداويت أقواما مراضا قلوبها
فأما الذي داويت بالهجر فاشتفى     بهجر وأما النفس فاغتل حوبها



[ ص: 608 ] قال أبو العباس: اغتل من الغلة.

وفي البعل وجه آخر، وهو أن يقال: هل لك من بعل على وزن وعل.

يريد هل في أهلك من بعل، أي ضعف وعجز عن السعي والعمل.

أخبرني أبو عمر، عن أبي العباس ثعلب، عن ابن الأعرابي قال: يقال بعل الرجل وبحر وبقر إذا تحير فلم يهتد لأمره. وامرأة بعلة إذا كانت بلهاء لا تحسن أن تلبس ثيابها، وتصلح أمر نفسها.

وفيه لغة أخرى بعل بفتح العين فهو بعل. حكاها ابن السكيت، عن يونس قال: يقال بعل الرجل إذا صار بعلا يبعل، وأنشد:


يا رب بعل ساء ما كان بعل



فالبعل على هذا معناه الكل من العيال. يقال: أصبح فلان بعلا على أهله، أي ثقلا عليهم وكلا.

وهذا كحديثه الآخر: أنه جاءه رجل يريد الجهاد فقال له: "هل في أهلك من كاهل" ويروى من كاهل.

قال أبو عبيد: معناه هل فيهم من أسن وصار كهلا ضعيفا؟

قال أبو سليمان : ورأيت بعض أهل النظر يذهب في ذلك إلى غير ما تأوله أبو عبيد، ويرويه هل في أهلك من كاهل على وزن قاتل؟ قال:

[ ص: 609 ] يقال: فلان كاهل بني فلان إذا رأسهم وقام بأمرهم فاعتمدوه لما ينوبهم. وأصله من كاهل الظهر لأنه المعتمد عليه فيما يحتمل. والعرب تقول تميم كاهل مضر؛ لأن العدد فيهم. وسعد كاهل تميم. والمعنى أنه قال للرجل هل في أهلك من تعتمده للقيام بأمرهم إذا غبت عنهم، يدل على ذلك قوله: في هذا الخبر ما هم إلا أصيبية صغار.

التالي السابق


الخدمات العلمية