الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث النبي صلى الله عليه أنه سئل عن الكهان فقال: "ليس بشيء"  فقالوا: يا رسول الله، فإنهم يقولون كلمة [ ص: 611 ] تكون حقا قال: "تلك الكلمة من الحق يخطفه الجني فيقذفه في أذن وليه كقر الدجاجة، ويزيدون فيه مائة كذبة".

أخبرناه ابن الأعرابي، نا أبو إسماعيل الترمذي، نا أبو صالح كاتب الليث، حدثني نافع بن يزيد، عن إسماعيل بن عقبة الحضرمي، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة.

قوله: "كقر الدجاجة" هكذا قال ابن الأعرابي، فإن كان محفوظا فإنه يريد صوتها، يقال للدجاجة إذا قطعت صوتها: قرت تقر قرا وقريرا، فإذا رجعت فيه قيل: قرقرت قرقرة وقر قريرا. قال الشاعر:


وإن قرقرت هاج الهوى قرقريرها



وقال آخر:


صوت الشقراق إذا قال قرر



فأظهر التضعيف على الحكاية، والمعنى أن الجني يقذف تلك الكلمة إلى وليه الكاهن فيتسامع بها الشياطين، كما تؤذن الدجاجة بصوتها صواحباتها فتتجاوب، ومن شأنها أن الواحدة منهن إذا صاحت صاح سائرهن، وكذلك البط، وكثير من الطير، فيكون صوت الواحدة منها قد جلب صوت مائة منهن.

[ ص: 612 ] وفيه وجه آخر، وهو أن تكون الرواية كقر الزجاجة يدل على ذلك رواية الليث بن سعد، قال محمد بن إسماعيل البخاري، روى الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال أن أبا الأسود أخبره، عن عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه قال: "الملائكة تحدث في العنان، فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن، كما تقر القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة".

فذكره القارورة في هذه الرواية يدل على ثبوت الرواية بالزجاجة في حديث ابن شهاب. قال أبو زيد: يقال: قررت الكلام في أذن الرجل أقره قرا. وقال ابن الأعرابي: القر ترديدك الكلام في أذن الأبكم حتى يفهمه. والقر صب الماء دفقة واحدة.

وروى معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن ابن عباس قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه استراق السمع واختطاف الجني الوحي، قال: "فيقذفه إلى أوليائه فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يرقون فيه".

قوله: يرقون: أي يتزيدون. يقال: رقى فلان على الباطل إذا تقول ما لم يكن، وأصله من الرقي وهو الصعود والارتفاع. وحقيقته أنهم يرتفعون إلى الباطل، ويدعون فوق ما يسمعون.

[ ص: 613 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية