الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث أبي بكر أنه كان رجلا نسابة فوقف على قوم من ربيعة فقال : ممن القوم ؟ فقالوا : من ربيعة فقال : وأي ربيعة أنتم أمن هامها أم من لهازمها ؟ قالوا : بل من هامها العظمى قال أبو بكر: ومن أيها ؟ قالوا : ذهل الأكبر قال أبو بكر: فمنكم عوف الذي يقال لا حر بوادي عوف ؟ قالوا : لا قال : فمنكم بسطام بن قيس أبو القرى ومنتهى الأحياء ؟ قالوا : لا قال ؟ فمنكم جساس بن مرة مانع الجار ؟ قالوا : لا قال : فمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها ؟ قالوا : لا قال : فمنكم المزدلف الحر صاحب العمامة الفردة ؟ قالوا : لا قال : فمنكم أخوال الملوك من كندة ؟ قالوا : لا قال فمنكم أصهار الملوك من لخم ؟ قالوا : لا قال أبو بكر: فلستم بذهل الأكبر إنما أنتم ذهل الأصغر فقام إليه [ ص: 21 ] غلام من بين شيبان يقال له : دغفل حين بقل وجهه فقال :


إن على سائلنا أن نسأله والعبء لا تعرفه أو تحمله

يا هذا إنك قد سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئا . فمن الرجل ؟ قال أبو بكر: أنبأنا من قريش قال : بخ بخ أهل الشرف والرياسة فمن أي القرشيين قال : من ولد تيم بن مرة فقال الفتى : أمكنت والله من سواء الثغرة فمنكم قصي الذي جمع القبائل من فهر وكان يدعى في قريش مجمعا قال : لا قال : فمنكم هاشم الذي شم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف ؟ قال : لا قال : فمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء ؟ قال : لا قال : فمن أهل الإفاضة بالناس أنت ؟ قال : لا قال : فمن أهل الندوة ؟ قال : لا فمن أهل السقاية قال : لا قال : فمن أهل الحجابة ؟ قال : لا قال : واجتذب أبو بكر زمام الناقة فقال الفتى :


صادف درء السيل درء يدفعه     يهيضه حينا وحينا يصدعه

نا ابن الأعرابي أخبرنا جعفر بن عنبسة اليشكري عن محمد بن الحسن القردوسي أخبرنا أحمد بن أبي نصر السكوني عن أبان بن عثمان عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب [ ص: 22 ] .

وحدثنيه محمد بن الحسين أخبرنا السراج أخبرنا عبد الجبار بن كثير أخبرنا محمد بن بشر اليماني عن أبان بن عبد الله البجلي عن أبان بن تغلب بإسناده مثله .

قوله أمن هامها أم من لهازمها .  يريد من أشرافها أنت أو من أوساطها واللهازم أصول الحنكين واحدها لهزمة يقال لهزمت الرجل إذا أصبت لهازمه . قال الشاعر :


إما ترى شيبا علاني أغثمه     لهزم خدي به ملهزمه

وقال النسابون : بكر بن وائل على جذمين جذم يقال له : الذهلان وجذم يقال له : اللهازم فالذهلان بنو شيبان بن ثعلبة وبنو ذهل بن ثعلبة واللهازم بنو قيس بن ثعلبة وبنو تيم اللات بن ثعلبة قال الفرزدق:


وأرضى بحكم الحي بكر بن وائل     إذا كان في الذهلين أو في اللهازم

وقوله لا حر بوادي عوف فإنما كان يقال ذلك لعزه وشرفه يريدون أن الناس له كالعبيد والخول وهو عوف بن محلم بن ذهل ولهم القبة التي يقال لها المعاذة من لجأ إليها أعاذوه .

وأما بسطام بن قيس فهو فارس بكر وكان يقري الضيف ويؤوي الرهيق ويكنى أبا الصهباء [ ص: 23 ] قال أبو عبيدة: والعرب تعد من الفرسان ثلاثة عدوا عتيبة بن الحارث اليربوعي فارس تميم وعدوا بسطام بن قيس بن خالد الشيباني فارس بكر وعدوا عامر بن الطفيل الجعفري فارس قيس وقال الفرزدق يذكر بسطاما :


وقد مات بسطام بن قيس بن خالد     ومات أبو غسان شيخ اللهازم

فأما جساس ومنعه الجار فإن أبا عبيدة يزعم أن أخته كانت تحت كليب بن وائل وكانت البسوس وهي خالة جساس نازلة عليه وجارة لبني مرة ومعها ابن لها ولهم ناقة يقال لها السرار وكانت خوارة صفية فذكر أن أخت جساس بينا هي تغسل رأس كليب وتسرحه إذ قال لها من أعز وائل فضمرت فأعاد عليها القول فلما أكثر قالت أخواي جساس وهمام فنزع رأسه من يدها وأخذ القوس فرمى فصيل ناقة البسوس فأقصده فغضب جساس لذلك فقتل كليبا فهاج الشر بسببه بين بكر وتغلب وكان كليب إذا حمى حمى لم يقرب وإذا أجار رجلا لم يهج لعزة وبه كان يضرب المثل في العز والمنعة وكان لا يرفع في ناديه صوت فقال قائلهم :


ذهب الخيار من المعاشر كلهم     واستب بعدك يا كليب المجلس

والبسوس في غير قول عبيدة اسم الناقة التي رماها كليب فصار مثلا في الشؤم فيقال : أشأم من البسوس والبسوس الناقة التي تدر على الدعاء [ ص: 24 ] والملق والإبساس أن تدعو الناقة باسمها وتلين لها الطريق إلى الحلب .

وأما الحوفزان فاسمه الحارث بن شريك بن مطر ولقب بالحوفزان لأن بسطام بن قيس حفزه بالرمح فاقتلعه عن سرجه وهو أحد الشجعان المذكورين وإياه عنى الشاعر بقوله :


غاب المثنى فلم يشهد نكاحهما     والحوفزان ولم يشهده مفروق

وأما المزدلف فإنما قيل له صاحب العمامة الفردة لأنه كان إذا ركب لم يعتم معه غيره قال أبو عبيد واسمه الخصيب قال غيره : ويكنى بأبي ربيعة وكان سعيد بن العاص أبو أحيحة يلقب ذا العصابة لأنه كان إذا اعتم لم يعتم قرشي إعظاما له قال الشاعر :


فتاة أبوها ذو العصابة وابنه     وعثمان ما أكفاؤها بكثير

وسمي المزدلف في حرب كليب قال : ازدلفوا قوسي أو قدرها يريد تقدموا في الحرب يقال : ازدلف القوم إذا اقتربوا وسمي المزدلفة لاقترابهم إلى منى بعد الإفاضة من عرفات .

ويقال : بل سميت مزدلفة لأنها منزلة وقربة من الله عز وجل وهو قول أبي العباس ثعلب .

قال ومنه قول الله تعالى : فلما رأوه زلفة أي رأوا العذاب قربة .

ومثله قوله وأزلفنا ثم الآخرين أي قربناهم من الهلاك [ ص: 25 ] وروى إسماعيل بن عياش عن نافع بن عامر عن سليمان بن موسى قال كتب رسول الله إلى مصعب بن عمير وهو بالمدينة : "انظر من اليوم الذي تجهز فيه اليهود لسبتها فإذا زالت الشمس فازدلف إلى الله فيه بركعتين واخطب فيهما " .

وقوله أمكنت من سواء الثغرة  يريد وسط الثغرة وهي نقرة النحر وسواء كل شيء وسطه قال الشاعر :


وصاحب غير ذي ظل ولا نفس     هيجته بسواء البيد فاهتاجا

وفي رواية ابن الأعرابي أمكنت من صفاة الثغرة .

وأما قوله منكم قصي الذي جمع القبائل من فهر فإنه قصي بن كلاب بن مرة واسمه زيذ وإنما سمي قصيا لأنه قصى قومه أي تقصاهم وهم بالشام فنقلهم إلى مكة فعيل من قصا يقصو ويسمى أيضا مجمعا قال الشاعر :


أبوكم قصي كان يدعى مجمعا     به جمع الله القبائل من فهر

وحدثني محمد بن نافع أخبرنا إسحاق بن أحمد الخزاعي أنبأنا أبو الوليد الأزرقي قال قال ابن جريج: كانت السدانة والرياسة بمكة إلى حليل بن حبشية الخزاعي فخطب إليه قصي ابنته فلما حضرته الوفاة دعا قصيا [ ص: 26 ] فجعل إليه ولاية البيت فولي أمر مكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة يستعز بهم فتملك على قومه .

وأما هاشم الذي هشم الثريد لقومه فإنه عمرو بن عبد مناف وسمي هاشما لهشمه الثريد لقومه وكانوا قد أصابتهم مجاعة شديدة فبعث عيرا إلى الشام وحملها كعكا ونحر جزورا وطبخها وأطعم الناس الثريد وفيه يقول الشاعر :


عمرو العلا هشم الثريد لقومه     ورجال مكة مسنتون عجاف

وأما شيبة الحمد فهو عبد المطلب بن هاشم ولقب بشيبة لأنه لما ولد كانت في رأسه شعرة بيضاء وسمي مطعم طير السماء لأنه حين أخذ في حفر زمزم وكانت قد درست واندفنت جعلت قريش تعنته وتهزأ به فقال : اللهم إن سقيت الحجيج ذبحت لك بعض ولدي فأسقي الحجيج منها وأقرع بين ولده فخرجت القرعة على ابنه عبد الله فأراد ذبحه فقالت بنو مخزوم وهم أخواله : أرض ربك وافد ابنك فجاء بعشر من الإبل فخرجت القرعة على ابنه فلم يزل يزيد على الإبل عشرا عشرا كل ذلك يخرج على عبد الله إلى أن بلغ بها مائة فخرجت القرعة على الإبل فنحرها بمكة في رؤوس الجبال فسمي مطعم الطير وجرت السنة في الدية بمائة من الإبل .  

وأما الإفاضة فقد اختلف الناس فيها فأخبرني محمد بن نافع حدثنا الخزاعي حدثنا الأزرقي قال قال محمد بن إسحاق كانت الإفاضة إلى [ ص: 27 ] صوفة وصوفة رجل يقال له : الأخزم بن العاص وكان له ابن قد تصدق به على الكعبة يخدمها فجعل إليه حبشية بن سلول الخزاعي الإفاضة وكان يومئذ يلي أمر مكة فكانت الإجازة في ولد صوفة حتى انقرضوا ثم صارت الإفاضة في عدوان يتوارثونها حتى كان الذي قام عليه الإسلام أبو سيارة العدواني وكان يدفع الناس على أتان عوراء رسنها ليف وهي التي يضرب بها المثل فيقال : "أصح من عير أبي سيارة" حج المسلمون والمشركون عامئذ فكان المسلمون في ناحية يدفع بهم عتاب بن أسيد لأنه أمير البلد وكان المشركون يدفع بهم أبو سيارة فلما كانت سنة تسع أرسل رسول الله عليه أبا بكر واستعمله على الحج ونزلت سورة براءة  فبعث بها عليا فخطب ونبذ إلى المشركين عهدهم وقال : "لا يجتمع مسلم ومشرك على هذا الموقف " .

وقال غيره كانت الإفاضة في تميم في بني صفوان بن شجنة بن عطارد بن كعب بن سعد قال وقال أوس بن مغراء يذكر ذلك :


ولا يريمون في التعريف موضعهم     حتى يقال أفيضوا آل صفوانا
مجدا بناه لنا قدما أوائلنا     وأورثوه طوال الدهر أخرانا

قال : ثم انتقل عنهم إلى هاشم بن عبد مناف عند موت آخر من بقي من بني صفوان [ ص: 28 ] وقال محمد بن إسحاق في غير الرواية التي سقناها قبل كان قصي قد حازها فيما حاز من مكارمه ومن ثم نالها هاشم .

فأما الندوة والسقاية والحجابة فإن قصيا جعلها في ولده .

قال الزبير بن بكار: قسم قصي مكارمه بين ولده فأعطى عبد مناف السقاية والندوة وأعطى عبد الدار الحجابة واللواء وأعطى عبد العزى الرفادة وأعطى عبد بن قصي جلهة الوادي قال الزبير ثم اصطلحت قريش على أن ولي هاشم بن عبد مناف السقاية والرفادة وأقرت الحجابة في بني عبد الدار وقررها الإسلام لهم أعطى رسول الله عثمان بن طلحة مفتاح البيت وقال : " خذوها يا بني عبد الدار خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم " .

وقوله درء السيل أي هجومه وإقباله وفيه لغتان ضم الدال وفتحها قال الفراء يقال : سال الوادي درءا ودرءا إذا سال من مطر غير أرضه وسال الوادي ظهرا وظهرا إذا سال من مطر أرضه .

وقال غيره يقال : درأنا السيل أي جاء فجاءة .

وقوله يهيضه معناه يرده ويغلبه  وأصل الهيض الكسر وأكثر ما يستعمل في كسر العظم الذي جبر ثم انكسر ثانيا فيقال : عظم مهيض وقد يستعمل في غير ذلك على التمثيل به .

وقوله يصدعه أي يشقه [ ص: 29 ] .

وفي هذا الحديث أن رسول الله قال لأبي بكر : "لقد وقعت يا أبا بكر من الأعرابي على باقعة" فقال أجل يا رسول الله فداك أبي وأمي ما من طامة إلا وفوقها طامة " .

فالطامة الداهية العظيمة  وأصلها من قولك طم الماء إذا عظم وارتفع .

ومن هذا قولهم جاء فلان بالطم والرم فالطم الماء الكثير والرم ما يحمله الماء من قماش وغثاء ونحوه .

ويقال : بل الرم العظام البالية ويقال : جاء بالطم والرم بكسر الطاء فإذا أفردت الطم ولم تذكر بعد الرم فتحت الطاء فقلت جاء بالطم يا هذا .

والطمطام معظم ماء البحر وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "رأيت أبا طالب في ضحضاح من النار ولولا مكاني لكان في الطمطام" .

التالي السابق


الخدمات العلمية