الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث علي أنه وقف على طلحة يوم الجمل  وهو صريع فقال : "أعزز علي أبا محمد أن أراك مجدلا تحت نجوم السماء [ ص: 156 ] إلى الله أشتكي عجري وبجري " .

حدثنا أحمد بن عبدوس أخبرنا محمد بن يونس الكديمي أخبرنا محمد بن عباد المهلبي أخبرنا هشيم عن مجالد عن الشعبي .

قوله مجدلا  أي صريعا مطرحا يقال جدلت الرجل فانجدل قال الشاعر :


لكن ترى رجلا في إثره رجل فقد غادروا رجلا بالقاع منجدلا

ويقال إن التجديل مشتق من الجدالة وهي وجه الأرض فإذا قيل جدلت الرجل كان معناه ضربته بالجدالة .

.

وأخبرني أبو عمر أنبأنا أبو موسى عن أبي العباس ثعلب قال يقال حطأت بفلان الأرض وردست وكدست ولطست وحبجت ولبجت وحثأت ولثأت وحدست وعدست كله بمعنى واحد .

وأخبرنا محمد بن المكي أخبرنا إسحاق بن إبراهيم نا ابن أخي ابن وهب أخبرنا عمي أخبرنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن عرباض بن سارية عن رسول الله أنه قال : "إني عند الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته  وسأخبركم بأول أمري دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها نور أضاءت لها منه قصور الشام " .  

قوله وآدم منجدل في طينته أي مطروح على وجه الأرض صورة من طين لم تجر فيه الروح بعد [ ص: 157 ] .

وأما حديث أبي ذر في قصة آدم وبدء خلقه .  

حدثناه أحمد بن إبراهيم بن مالك أخبرنا الحسن بن سفيان أخبرنا إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني أخبرنا أبي عن جدي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله كم الأنبياء قال "مائة ألف وعشرون ألفا" قلت يا رسول الله كم الرسل من ذلك قال "ثلثمائة وثلاثة عشرة جما غفيرا" فقلت يا رسول الله من أولهم قال "آدم" قلت يا رسول الله أنبي مرسل قال "نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا " وفي حديث فيه طول فإنه يريد والله أعلم أنه خلقه فسواه ثم نفخ فيه الروح . وفي الكلام تقديم وتأخير يدل على ذلك .

قوله : ثم سواه ونفخ فيه من روحه  ومثل هذا في التقديم والتأخير قوله : إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي المعنى أني رافعك ثم متوفيك .

وقوله "قبلا" إذا كسرت القاف كان معناه المقابلة والعيان وكذلك قبلا يقال لقيت فلانا قبلا وقبلا أي مقابلة وإذا فتحت القاف والباء كان معناه الاستقبال والاستئناف وقد قرئ قوله "أو يأتيهم العذاب قبلا وقبلا" ويقال لا آتيك إلى عشر من ذي قبل أي إلى عشر فيما استأنف ، [ ص: 158 ] ويقال رأيت الهلال قبلا أي أول ما يرى .

وقد روي من علامات الساعة  أن يرى الهلال قبلا وهذا كما جاء من أشراط الساعة أن نرى الهلال لليلته فيقال هذا ابن ليلتين وكما جاء من أشراطها انتفاخ الأهلة وكلها متقاربة ومعنى الحديث على الوجه الأول وهو إذا رويته قبلا بكسر القاف إن الله جل وعز خلقه بيده تخصيصا له بالكرامة من غير أن يولي أمره أحدا من ملائكته فيكون أسوة ولده كما قال في قصة عيسى فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا . وكما روي أن الله إذا أراد خلق ابن آدم بعث ملكا فيكتب خلقه ورزقه وعمره ثم يقول يا رب أشقي أم سعيد يقول فلم يكن خلق آدم على هذا المعنى لكن تناولته الخلقة قبلا من غير تقديم سبب أو توسيط ملك أو غيره تخصيصا بالكرامة وتفضيلا له على ولده وعلى نحو من هذا يتأول قوله : "خلق الله آدم على صورته"  يريد والله أعلم أنه خلقه بشرا سويا على صورته تلك لم تشتمل عليه الأرحام ولم تتناقله الأحوال من صغر إلى كبر ومن نقص إلى تمام [ ص: 159 ] وقوله "جما غفيرا"  كلمة معناها الوفور والكثرة وفيها ثلاث لغات يقال جاء القوم جما غفيرا وجماء الغفير والجماء الغفير حكاها لنا أبو عمر وذكر مناظرة جرت بين أبوي عباس فيها وفي الاعتلال لها والاحتجاج لإلزامها النصب من الإعراب .

قال أبو عمر قال البصريون ومن يقول بالاشتقاق الجماء مشتقة من قولهم بئر جمة أي كثيرة الماء والغفير مأخوذ من الغفر وهو الستر قالوا : ومنه سمي المغفر وذلك لأنه يغطي الرأس ويستره قالوا : والمعنى أنهم لكثرتهم يغطون وجه الأرض .

وأما قوله : دعوة إبراهيم فهي قوله : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك وبشارة عيسى قوله ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد وقوله عجري وبجري أي ما أبصره وأكتمه من أمري وهو قول سائر في أمثال العرب . يقال لقي فلان فلانا فأبثه عجره وبجره . وقال الكديمي في الحديث قلت للأصمعي ما عجري وبجري فقال همومي وأحزاني .

ويروى عن علي أنه مر يوم الجمل بمحمد بن طلحة قتيلا فقال هذا الذي قتله بره بأبيه [ ص: 160 ] .

التالي السابق


الخدمات العلمية