الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث النبي صلى الله عليه أنه قال: "طوبى للغرباء" قيل من هم يا رسول الله؟ قال: "النزاع من القبائل"   [ ص: 175 ] .

حدثناه إبراهيم بن فراس نا أحمد بن علي بن سهل نا أبو بكر بن أبي شيبة نا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله.

النزاع جمع نزيع وهو الغريب الذي قد نزع من أهله وعشيرته وقال حميد بن ثور:


نزيعان من جرم بن زبان إنهم أبوا أن يميروا في الهزاهز محجما

وامرأة نزيعة إذا زوجت في غير قبيلتها من نساء نزائع قال الشاعر:


نمت بي من شيبان أم نزيعة     كذلك ضرب المنجبات النزائع

وأولاد الغرباء عندهم أشد وأقوى قال الشاعر:


فتى لم تلده بنت عم قريبة     فيضوى وقد يضوى رديد الغرائب

ومنه قول عنترة:


أنا الهجين عنترة

.

افتخر بأنه هجين لأنه أقوى من الصريح وأجلد.

قال الأصمعي: والنزائع من الإبل الغرائب التي تنقذت من أيدي الغرباء. [ ص: 176 ] ونرى والله أعلم أنه أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا ديارهم وأوطانهم إلى الله عز وجل.

وقد روي في ذلك وجه آخر حدثناه أحمد بن إبراهيم بن مالك نا محمد بن أيوب بن ضريس ثنا الهيثم بن خارجة نا إسماعيل بن عياش عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن يوسف بن سليمان عن جدته ميمونة عن عبد الرحمن بن سنة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء" قيل من الغرباء يا رسول الله؟ قال: "الذين يصلحون ما أفسد الناس".

قال أبو سليمان في حديث النبي صلى الله عليه: "أنه أوتر بسبع أو تسع ثم اضطجع فنام حتى سمع ضغيزه أو ضفيزه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ".

هكذا حدثناه محمد بن هاشم بن هشام نا زكريا بن يحيى الحنائي ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عباد بن العوام عن سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن ابن عباس قال بت عند خالتي ميمونة وذكر الحديث.

الضغيز ليس بشيء فأما الضفيز فهو كالغطيط وهو الصوت يسمع من النائم عند ترديد النفس وأصل الضفز اللقم واللوك قال رؤبة:


تبتلع الهامة قبل الضفز

[ ص: 177 ] ويقال ضفزت البعير إذا علفته الضفائز وهي اللقم الكبار واحدتها ضفيزة ومنه حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بوادي ثمود فقال: "يا أيها الناس إنكم بواد ملعون من كان اعتجن بمائه فليضفزه بعيره" .

وأخبرنا ابن الأعرابي نا محمد بن محمد بن عقبة الشيباني نا زكريا بن يحيى نا خنيس بن بكر بن خنيس ثنا سوار بن مصعب عن داود بن أبي عوف عن فاطمة بنت علي عن فاطمة الكبرى عن أسماء بنت عميس عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه قال لعلي: "ألا إن قوما ممن يزعمون أنهم يحبونك يضفزون الإسلام ثم يلفظونه ثم يضفزونه ثم يلفظونه ثلاثا يقال لهم الرافضة" .

قوله: يضفزونه معناه يلقنونه فيلفظونه ولا يقبلونه ويقال ضفزت الفرس لجامه إذا أدخلته في فيه.

والضفز أيضا بمعنى الجماع وهو قريب من الأول وفي بعض الكلام: ضفزته النصيحة فقاءها أي لم يقبلها ولولا أن حق السماع الاتباع لقلت: إنه الصفير إلا أن الصفير بالشفتين.

وقد روي في هذا الحديث أنه نام حتى سمع فخيخه وحتى سمع غطيطه وهما من الحلق إلا أن الفخيخ أخف من الغطيط ويروى عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول [ ص: 178 ] :


طوبى لمن كانت له مزخه     يزخها ثم ينام الفخه

وأخبرنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق نا سليمان بن الأشعث نا ابن المثنى نا ابن أبي عدي عن شعبة عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة .. فذكر الحديث قال: ونام رسول الله حتى سمعت غطيطه أو خطيطه فأحدهما قريب من الآخر والخاء والغين أختان في قرب المخرج.

وكان معصوما في نومه من الحدث وكان يقول: "تنام عيني ولا ينام قلبي" وفي ذلك دليل على أن النوم عينه ليس بحدث  إذ لا فرق بين رسول الله وبين أمته في الأحداث وإنما النوم مظنة للحدث لأن النائم قد يوجد في الأغلب منه الحدث فحمل على حكم الأحداث وحقيقة النوم هو الغشية الثقيلة التي تهجم على القلب فتقطعه عن معرفة الأمور الظاهرة والناعس هو الذي رهقه ثقل قطعه عن معرفة الأحوال الباطنة وقد فصل الشاعر بينهما فقال:


وسنان أقصده النعاس فرنقت     في عينه سنة وليس بنائم

قال المفضل السنة في الرأس والنوم في القلب قال ومنه قول الله تعالى: لا تأخذه سنة ولا نوم [ ص: 179 ] .

التالي السابق


الخدمات العلمية