الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث عبد الله بن عمرو : " أنه أتى الطائف فإذا هو يرى التيوس تلب أو تنب على الغنم خافجة ؟ فقال لمولى لعمرو بن العاص يقال له : هرمز : يا هرمز ما شأن ما هاهنا ؟ ألم أكن أعلم السباع ها هنا كثيرا . فقال : نعم ولكنها عقدت فهي تخالط البهائم ولا تهيجها فقال عبد الله : شعب صغير من شعب كبير .  

يرويه ابن وهب حدثني ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن هرمز مولى عمرو بن العاص .

قوله : تلب من اللبلبة وهي زمزمة التيس إذا طلب السفاد وتنب من النبيب يقال : نب التيس نبيبا ومثله هب هبيبا قال الشاعر :


ما أبالي أنب بالحزن تيس أم لحاني بظهر غيب لئيم

والخافجة : السافدة : والخفج : السفاد وقد يستعمل في مباضعة الرجل أهله وقد يحتمل أن يقال : جافخة - بتقديم الجيم - وأصل الجفخ الكبر .

وقوله : عقدت يريد أنها قد عولجت بالأخذ كما تعالج الروم الهوام ذوات الحمة بالشيء الذي يسمونه الطلسم .

[ ص: 498 ] وقوله : شعب صغير من شعب كبير . يقول : صلاح يسير من فساد كثير وإنما كره ذلك لأنه رآه نوعا من السحر والشعب في كلام العرب يتصرف على وجهين أحدهما يراد به الجمع والإصلاح . والآخر يراد به الفرق والإفساد . فمن الأول قولهم شعبت الإناء إذا لأمت صدعه وأصلحته . قال ابن الدمينة .


وإن طبيبا يشعب القلب بعدما     تصدع من وجد بها لكذوب

قال بعض أهل اللغة : وبه سمي الرجل شعيبا قال : وهو تصغير شعب بمعنى الإصلاح . قال : وإنما صغر على مذهب المدح والتعظيم .

وأما الوجه الآخر الذي يراد به الفساد فكقولهم : شعبت بين القوم إذا فرقت بينهم . قال الشاعر :


وإذا رأيت المرء يشعب أمره     شعب العصا ويلج في العصيان
فاعمد لما تعلو فما لك بالذي     لا تستطيع من الأمور يدان

ولهذا سمي الموت شعوب ؛ وذلك لأنه يفرق الشمل ويبدده .

[ ص: 499 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية