الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
118 - وقال أبو عبيد في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبته:

"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب "مضر" الذي بين جمادى وشعبان".  

قال: حدثناه ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي بكرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم [ ص: 370 ] .

قوله: [إن الزمان] قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض".  

يقال: إن بدء ذلك كان - والله أعلم - أن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة، وكان هذا مما تمسكت به من ملة "إبراهيم" [ - عليه السلام وعلى نبينا - ] ، فربما احتاجوا إلى تحليل المحرم للحرب تكون بينهم، فيكرهون أن يستحلوه ويكرهون تأخير حربهم؛ فيؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، فيحرمونه ويستحلون المحرم. وهذا هو النسيء الذي قال الله - تبارك وتعالى - : إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما إلى آخر الآية.

وكان ذلك في "كنانة" هم الذين كانوا ينسأون الشهور على العرب.

والنسيء: هو التأخير.

ومنه قيل: بعث الشيء بنسيئة [ ص: 371 ] .

فكانوا يمكثون بذلك زمانا يحرمون صفرا، وهم يريدون به المحرم. ويقولون: هو أحد الصفرين.

قال أبو عبيد: وقد تأول بعض الناس قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا صفر"  على هذا. ثم يحتاجون أيضا إلى تأخير صفر إلى الشهر الذي بعده كحاجتهم إلى تأخير المحرم، فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم يمكثون بذلك ما شاء الله، ثم يحتاجون إلى مثله، ثم كذلك فكذلك، يتدافع شهرا بعد شهر، حتى استدار التحريم على السنة كلها، فقام الإسلام، وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله [ - تبارك وتعالى - ] به، وذلك بعد دهر طويل، فذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض".  

يقول: رجعت الأشهر الحرم إلى مواضعها، وبطل النسيء.

وقد زعم بعض الناس أنهم كانوا يستحلون المحرم عاما، فإذا كان من قابل [ ص: 372 ] ردوه إلى تحريمه. والتفسير الأول أحب إلي؛ لقول النبي [ - صلى الله عليه وسلم - ] : "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض"،  وليس في التفسير الأخير استدارة.

[قال أبو عبيد] : وعلى هذا التفسير الذي فسرناه قد يكون قوله: يحلونه عاما ويحرمونه عاما مصداقا؛ لأنهم إذا حرموا العام المحرم، وفي قابل صفر، ثم احتاجوا بعد ذلك إلى تحليل صفر أيضا أحلوه، وحرموا الذي بعده، فهذا تأويل قوله في هذا التفسير: يحلونه عاما ويحرمونه عاما

قال أبو عبيد: وفي هذا تفسير آخر، يقال: إنه في الحج.

قال: حدثناه سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ولا جدال في الحج قال: قد استقر الحج في ذي القعدة لا جدال فيه،  وفي غير حديث سفيان يروى عن "معمر" ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.

قال: كانت العرب في الجاهلية يحجون عامين في ذي القعدة، وعامين في ذي الحجة، فلما كانت السنة التي حج فيها "أبو بكر" [ - رضي الله عنه - ] قبل حجة [ ص: 373 ] النبي [ - صلى الله عليه وسلم - ] كان الحج في السنة الثانية من ذي القعدة، فلما كانت السنة التي حج فيها النبي [ - صلى الله عليه وسلم - ] في العام المقبل عاد الحج إلى ذي الحجة.

فذلك قوله [ - صلى الله عليه وسلم - ] : "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض".  

يقول: قد ثبت الحج في ذي الحجة.

التالي السابق


الخدمات العلمية