"ليس منا من لم يتغن بالقرآن".
كان يقول معناه: من لم يستغن به، ولا يذهب به إلى الصوت، وليس للحديث عندي وجه غير هذا؛ لأنه في حديث آخر كأنه مفسر [ ص: 385 ] . "سفيان بن عيينة"،
قال حدثني عن شبابة، عن حسام بن مصك، عن ابن أبي مليكة، عبد الله بن نهيك أو ابن أبي نهيك قال حسام فلقيت عبد الله بن نهيك أو ابن أبي نهيك فحدثني أنه "سعد" وعنده متاع رث ، ومثال رث، فقال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". دخل على
قال فذكره رثاثة المتاع ، والمثال عند هذا الحديث، ينبئك أنه إنما أراد الاستغناء بالمال القليل، وليس الصوت من هذا في شيء. أبو عبيد،
ويبين ذلك حديث "عبد الله".
قال: حدثناه عن ابن مهدي، سفيان، عن أبي إسحاق، عن سليم بن حنظلة، عن "عبد الله" قال: "من قرأ سورة "آل عمران" فهو غني".
قال: وحدثناه الأشجعي، عن قال: حدثنا مسعر، جابر - قبل أن يقع فيما وقع فيه - عن عن الشعبي، عبد الله أنه قال: "نعم كنز الصعلوك سورة "آل عمران" يقوم بها من آخر الليل".
قال فأرى الأحاديث كلها إنما دلت على الاستغناء. أبو عبيد:
ومنه الحديث الآخر: "من قرأ القرآن، فرأى أن أحدا أعطي أفضل مما أعطي، فقد عظم صغيرا، وصغر عظيما" [ ص: 386 ] .
ومعنى الحديث أنه لا ينبغي لعامل القرآن أن يرى أن أحدا من أهل الأرض أغنى منه، ولو ملك الدنيا برحبها.
ولو كان وجهه كما يتأوله بعض الناس أنه الترجيع بالقراءة وحسن الصوت لكانت العقوبة قد عظمت في ترك ذلك أن يكون: من لم يرجع صوته بالقرآن، فليس من النبي [ - صلى الله عليه وسلم - ] حين قال: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن".
وهذا لا وجه له.
ومع هذا أنه كلام جائز فاش في كلام العرب وأشعارها، أن يقولوا: تغنيت تغنيا، وتغانيت تغانيا بمعنى استغنيت، قال "الأعشى":
وكنت امرأ زمنا بالعراق عفيف المناخ طويل التغن
يريد الاستغناء، أو الغنى.وقال "المغيرة بن حبناء التميمي" يعاتب أخا له:
كلانا غني عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا
فهذا وجه الحديث - إن شاء الله تعالى - .
وأما قوله: ومثال رث: فإنه الفراش، قال "الكميت":
بكل طوال الساعدين كأنما يرى بسرى الليل المثال الممهدا