باب ذكر البيان أن قال الله عز وجل: أفعال الخلق مكتوبة لله تعالى مقدورة له فإنها من الله عز وجل خلق، وممن باشرها كسب الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار وقال: خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل وقال: بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم . فامتدح بالقولين جميعا فكما لا يخرج شيء عن علمه لا يخرج شيء عن خلقه وقال: إنا كل شيء خلقناه بقدر وقال: وخلق كل شيء فقدره تقديرا وقال: ذلكم الله ربكم خالق كل شيء وقال: قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء وقال: قل من بيده ملكوت كل شيء وقال: ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير . فامتدح بالخلق والربوبية والقدرة، فلا يخرج شيء عن قدرته وربوبيته وخلقه، ولا يدخل فيما خلق كلامه وسائر صفاته الذاتية، كما لا يدخل فيه ذاته، لأن الله تعالى خالق غيره. ولا نقول في صفاته إنها غيره، لأنه أخبر أنه يخلق بكلامه فلا يكون كلامه مخلوقا، ولأنا رأينا من قال: أنا بنيت كل شيء من هذه المدينة. لم يدخل الباني ولا كلامه في البناء ثم خروج شيء من عموم آية لحجة، ولا يوجب خروج غيره بغير حجة، وقال الله عز [ ص: 166 ] وجل خلق السماوات والأرض وما بينهما وأفعال الخلق بينهما فتناولها صفة الخلق. وقال: أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون يعني خلقكم وخلق أعمالكم التي هي أكسابكم، ولا يجوز أن يحمل على المعمول فيه كما حمل في قوله: تلقف ما يأفكون على المأفوك فيه، لأن ذلك زيادة إضمار لم تثبت بحجة، وثبوتها في آية أخرى بحجة، لا يوجب ثبوتها في غيرها بغير حجة. وقال: وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير يعني والله أعلم ألا يعلم من خلق أسراركم بقولكم وجهركم به وما تكنه صدوركم وفي ذلك دلالة على أن ما يكسبه الإنسان بلسانه وقلبه مخلوق لله عز وجل وقال: وأنه هو أضحك وأبكى . كما قال: وأنه هو أمات وأحيا وقال: وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي كما قال: وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام وقال: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما وقال: ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وقال: وألقينا بينهم العداوة والبغضاء وقال: وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وقال: وألف بين قلوبهم كما قال: ثم يؤلف بينه وقال: الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله كما قال: إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا وقال: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ، وكلا جعلنا صالحين وقال في [ ص: 167 ] غيرهم: وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار كما قال: جعل الليل والنهار خلفة وقال: وجعل بينكم مودة ورحمة كما قال: وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة وقال: وجعلنا قلوبهم قاسية كما قال: فجعلناه سميعا بصيرا فكما أن الإحياء، والإماتة، والإقوات، والتقليب في الكهف وإلقاء الرواسي وتأليف السحاب، وإمساك السماء، والليل والنهار، والسمع والبصر، مقدرة لله تعالى مكونة له، فكذلك الإضحاك والإبكاء، والتسيير، وتقليب الأفئدة، وإلقاء العداوة ، والتأليف بين القلوب ، وإمساك الطير في جو السماء ، والرأفة والرحمة. وقساوة القلب مقدرة لله تعالى، مكونة له، لأن الله تعالى امتدح بالقولين وأخرجهما جميعا مخرجا واحدا وقال: وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون فأخبر أنه جعل الفلك كما أخبر أنه جعل الأنعام وقال: وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون فامتدح بفعله وامتن علينا به وقال: والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا إلى قوله: ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين . فأخبر أنه جعلها سكنا وبيوتا وأثاثا ومتاعا، وشيء من ذلك لا يسمى بما سماه به إلا بعد اقتران الكسب به، وقد أخبر بأنه هو الذي جعله ذلك، فدل على أنه منه خلق، ومن عبيده كسب، وقال: هو الذي يسيركم في البر والبحر وقال: فهزموهم بإذن الله وقال: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم وقال: واصبر وما صبرك إلا بالله [ ص: 168 ] وقال: ربنا أفرغ علينا صبرا وقال: سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ] وقال: وقذف في قلوبهم الرعب وقال: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم وفي جميع ذلك مع ما يشبهه من الآيات في كتاب الله عز وجل دلالة ظاهرة على أن هذه الأفعال صادرة من جهة الله تعالى خلقا ومن جهة العباد كسبا وقال فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وقال: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وقال: أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون فسلب عنهم فعل القتل والرمي والزرع مع مباشرتهم إياه، وأثبته لنفسه ليدل بذلك على أن المعنى المؤثر في الوجود بعد العدم هو إيجاده واختراعه، وخلقه وتقديره، وإنما وجد من عباده مباشرة تلك الأفعال بقدرة حادثة أحدثها خالقه على ما أراد، فهو من الله سبحانه وتعالى خلق على معنى أنه هو الذي اخترعه بقدرته القديمة، وهو من عباده كسب على معنى تعلق قدرة حادثة بمباشرتهم التي هي أكسابهم [ ص: 169 ] .