الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
589 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه قال: " ليس هذا الحديث مخالفا لشيء من الأخبار التي تقدمت وذلك أن الحنيف في اللغة:  الاستواء والاستقامة ، ولذلك قيل للأحنف: أحنف تبركا به على الضد ، كما قيل للديغ: سليم ، وللمهلكة: مفازة ، والأسود: كافور ، وإذا كان الحنيف في اللغة الاستواء ثم قال: خلقت عبادي حنفاء صح أنه يقول: خلقت عبادي أصحاء مستويين فجاءتهم الشياطين ، فاجتالتهم عن دينهم ، أي عن دينهم الذي كنت علمته وقدرته وكتبت أنهم يتركونه في ذلك الوقت ، وإذا كان هذا هكذا صح أنه موافق لكل ما تقدم من الأخبار " قال: " وقد اختلف العلماء في الحنيف ، فقال مجاهد: الحنيف المتبع ، وقال الحسن والسدي والضحاك: حجاج ، وقال خصيف: مخلص. قال: ومن الدليل على أن الحنيف ليس بإسلام قوله عز وجل: ولكن كان حنيفا مسلما ففرق بين الحنيف والمسلم ، فإن قيل: فقد روي عن محمد بن إسحاق ، عن ثور بن زيد ، عن يحيى بن جابر ، عن عبد الرحمن بن عائذ ، عن عياض بن حمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خلقت آدم وبنيه حنفاء مسلمين.  يقال له: هذا خبر فيه نظر ، لأن شعبة وسعيدا وهشاما وهماما ومعمرا رووا هذا الخبر خلاف ما رواه محمد بن إسحاق، مع أن محمد بن إسحاق كان يؤدي الأخبار على المعاني ، ثم لو صح خبره ولم يخالفه قتادة والحسن لكان لا يجوز ترك جملة الأخبار التي تقدمت بهذا الخبر ، ثم لو صح هذا الخبر لكان حجة لنا لأنه قال: خلقتهم مسلمين [ ص: 340 ] وزعم القدري أنه لم يخلقهم مسلمين ولا كافرين ، وأن هذا مستحيل ، ثم يحتمل أنه أراد بعض عبيده وبعض بني آدم لما تقدم من الآيات والأخبار التي دلت على أن الله عز وجل خلق بعضهم مؤمنين وبعضهم كافرين. قال: ونفس الخبر دال على ما قلنا ، وذلك أنه يقول: خلقتهم كلهم فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ، وإنما اجتال الشياطين بعضهم لا كلهم ، لأنه لم يجتل الأنبياء ولا يحيى بن زكريا ، ولا الأطفال ، ولا المجانين ، فلما ثبت قوله: "اجتالتهم كلهم" يريد بعضهم ثبت أن قوله: "خلقهم كلهم" يريد بعضهم. فإن قال: ففي الخبر "خلقت عبادي" واسم العباد لا يقع على بعضهم. يقال له: اسم العباد قد يقع على بعضهم قال الله عز وجل: عينا يشرب بها عباد الله أراد بعض عباده ، وهم المؤمنون. قال: يا عباد لا خوف عليكم أراد بعض عباده ، وهم المؤمنون فكذلك قوله: "خلقت عبادي" أراد بعضهم لا كلهم " قال الشيخ وذهب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي إلى أن قوله: " خلقت عبادي حنفاء أراد به على الميثاق الأول وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى "

التالي السابق


الخدمات العلمية