الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
[ ص: 391 ] المثال الرابع : قوله تعالى : ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) ( بل يداه مبسوطتان ) قالت الجهمية : مجاز في النعمة أو القدرة ، وهذا باطل من وجوه : أحدها : أن الأصل الحقيقة فدعوى المجاز مخالفة للأصل ، الثاني : أن ذلك خلاف الظاهر فقد اتفق الأصل والظاهر على بطلان هذه الدعوى ، الثاني : أن مدعي المجاز المعين يلزمه أمور : أحدها : إقامة الدليل الصارف عن الحقيقة ، إذ مدعيها معه الأصل والظاهر ومخالفها مخالف لهما جميعا ، ثانيها : بيان احتمال اللفظ لما ذكره من المجاز لغة وإلا كان منشئا من عنده وضعا جديدا ، ثالثها : احتمال ذلك المعنى في هذا السياق المعين ، فليس كل ما احتمله اللفظ من حيث الجملة يحتمله هذا السياق الخاص ، وهذا موضع غلط فيه من شاء الله ولم يبين أو يميز بين ما يحتمله اللفظ بأصل اللغة وإن لم يحتمله في هذا التركيب الخاص وبين ما يحتمله فيه ، رابعها : بيان القرائن الدالة على المجاز الذي عينه بأنه المراد إذ يستحيل أن يكون هذا هو المراد من غير قرينة في اللفظ تدل عليه ألبتة ، وإذا طولبوا بهذه الأمور الأربعة تبين عجزهم .

الوجه الرابع : أن اطراد لفظها في موارد الاستعمال وتنوع ذلك وتصريف استعماله يمنع المجاز ، ألا ترى إلى قوله : ( خلقت بيدي ) وقوله : ( بل يداه مبسوطتان ) وقوله : ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) فلو كان مجازا في القدرة والنعمة لم يستعمل منه لفظ يمين ، وقوله في الحديث الصحيح : " المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين " فلا يقال هذا يد النعمة والقدرة ، وقوله : " يقبض الله سماواته بيده والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن ثم يقول : أنا الملك " ، فهنا هز وقبض وذكر يدين ، ولما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يقبض يديه ويبسطها تحقيقا للصفة لا تشبيها لها كما قرأ : ( وكان الله سميعا بصيرا ) ووضع يديه [ ص: 392 ] على عينيه وأذنيه تحقيقا لصفة السمع والبصر ، وأنهما حقيقة لا مجازا ، وقوله : " ولما خلق الله آدم قبض بيديه قبضتين وقال : اختر ، فقال : اخترت يمين ربي ، وكلتا يديه يمين ، ففتحها فإذا فيها أهل اليمين من ذريته " .

وأضعاف أضعاف ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة في ثبوت الصفة ، كقوله في الحديث الصحيح : " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها " ، وقوله في الحديث المتفق على صحته : " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ، ولا يقبل الله إلا الطيب ، تقبلها بيمينه " ، وقوله : " وما السماوات السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في كف أحدكم " ، وقوله في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي رزين : " فيأخذ ربك غرفة من الماء فينضح بها قبلكم فلا يخطئ وجه أحدكم " ، يعني في الموقف ، فهل يمكن أن يكون هذا من أوله إلى آخره وأضعاف أضعافه مجازا لا حقيقة ، وليس معه قرينة واحدة تبطل الحقيقة وتبين المجاز .

الوجه الخامس : أن اقتران لفظ الطي والقبض والإمساك باليد يصير المجموع حقيقة ، هذا في الفعل ، وهذا في الصفة ، بخلاف اليد المجازية ، فإنها إذا أريدت لم يقترن بها ما يدل على اليد حقيقة ، بل ما يدل على المجاز كقوله : له عندي يد ، وأنا قمت يدهم ونحو ذلك ، وأما إذا قيل : قبض بيده وأمسك بيده أو قبض بإحدى يديه كذا وبالأخرى كذا ، وجلس عن يمينه ، أو كتب كذا وعمله بيمينه أو بيديه ، فهذا لا يكون إلا حقيقة ، وإنما أتي هؤلاء من جهة أنهم رأوا اليد تطلق على النعمة والقدرة في بعض المواضع ، فظنوا أن كل تركيب وسياق صالح لذلك ، فوهموا وأوهموا ، فهب أن [ ص: 393 ] هذا يصلح في قوله : لولا يد لك لم أجزك بها ، أفيصلح في قوله : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ) وفي قول عبد الله بن عمر : وإن الله لم يباشر بيده أو لم يخلق بيده إلا ثلاثا : خلق آدم بيده ، وغرس جنة عدن بيده ، وكتب التوراة بيده ، أفيصح في عقل أو نقل أو فطرة أن يقال : لم يخلق بقدرته أو بنعمته إلا ثلاثا .

الوجه السادس : أن مثل هذا المجاز لا يستعمل بلفظ التثنية ، ولا يستعمل إلا مفردا أو مجموعا كقولك : له عندي يد يجزيه الله بها وله عندي أياد ، وأما إذا جاء بلفظ التثنية لم يعرف استعماله قط إلا في اليد الحقيقية ، وهذه موارد الاستعمال أكبر شاهد فعليك بتتبعها .

الوجه السابع : أنه ليس من المعهود أن يطلق الله على نفسه معنى القدرة والنعمة بلفظ التثنية بل بلفظ الإفراد الشامل لجميع الحقيقة ، كقوله ( أن القوة لله جميعا ) : وكقوله : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) وقد يجمع النعم كقوله : ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) وأما أن يقول : خلقتك بقدرتين أو بنعمتين ، فهذا لم يقع في كلامه ولا كلام رسوله صلى الله عليه وسلم .

الوجه الثامن : أنه لو ثبت استعمال ذلك بلفظ التثنية لم يجز أن يكون المراد به هاهنا القدرة ، فإنه يبطل فائدة تخصيص آدم ، فإنه وجميع المخلوقات حتى إبليس مخلوق بقدرته سبحانه ، فأي مزية لآدم على إبليس في قوله : ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) يوضحه :

الوجه التاسع : أن الله جعل ذلك خاصة خص بها آدم دون غيره ، ولهذا قال له موسى وقت المحاجة : أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك [ ص: 394 ] ملائكته وعلمك أسماء كل شيء ، وكذلك يقول له أهل الموقف إذا سألوه الشفاعة ، فهذه أربع خصائص له ، فلو كان المراد باليد القدرة لكان بمنزلة أن يقال له : خلقك الله بقدرته ، فأي فائدة في ذلك ، يوضحه :

الوجه العاشر : أنك لو وضعت الحقيقة التي يدعي هؤلاء أن اليد مجاز فيها موضع اليد لم يكن في الكلام فائدة ولم يصح وضعها هناك ، فإنه سبحانه لو قال : ما منعك أن تسجد لما خلقت بقدرتي ، وقال له موسى : أنت أو البشر الذي خلقك الله بقدرته ، وقالت له أهل الموقف ذلك ، لم يحسن ذلك الكلام ولم يكن فيه من الفائدة شيء وتعالى الله أن ينسب إليه مثل ذلك ، فإن مثل هذا التخصيص إنما خرج مخرج الفضل له على غيره وإن ذلك أمر اختص به لم يشاركه فيه غيره ، فلا يجوز حمل الكلام على ما يبطل ذلك .

الوجه الحادي عشر : أن نفس هذا التركيب المذكور في قوله : ( خلقت بيدي ) يأبى حمل الكلام على القدرة لأنه نسب الخلق إلى نفسه سبحانه ثم عدى الفعل إلى اليد ثم ثناها ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قوله : كتبت بالقلم ، ومثل هذا النص صريح لا يحتمل المجاز بوجه ، بخلاف ما لو قال : عملت ، كما قال تعالى : ( فبما كسبت أيديكم ) ( بما قدمت يداك ) فإن نسب الفعل إلى اليد ابتداء ، وخصها بالذكر لأنها آلة الفعل في الغالب ، ولهذا لما لم يكن خلق الأنعام مساويا لخلق أبي الأنام قال تعالى : ( أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما ) فأضاف الفعل إلى الأيدي وجمعها ولم يدخل عليها الباء ، فهذه ثلاثة فروق تبطل إلحاق أحد الموضعين بالآخر ، ويتضمن التسوية بينهما عدم مزية أبينا آدم على الأنعام ، وهذا من أبطل الباطل وأعظم العقوق للأب ، إذ ساوى المعطل بينه وبين إبليس والأنعام في الخلق باليدين .

الوجه الثاني عشر : أن يد النعمة والقدرة لا يتجاوز بها لفظ اليد فلا يتصرف فيها بما يتصرف في اليد الحقيقية ، فلا يقال : كف لا للنعمة ولا للقدرة ، ولا إصبع وإصبعان ولا يمين ولا شمال ، وهذا كله ينفي أن يكون اليد نعمة أو يد قدرة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : يد الله ملأى لا يغيضها نفقة وقال : [ ص: 395 ] " المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن " ، وفي حديث الشفاعة : " فأقوم عن يمين الرحمن مقاما لا يقومه غيري " وإذا ضممت قوله تعالى : ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ) إلى قوله صلى الله عليه وسلم " يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيده ثم يهزهن " وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض يده ويبسطها .

وفي صحيح مسلم يحكى عن ربه بهذا اللفظ وقال : " ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه " ، ولفظة " بين " لا تقتضي المخالطة ولا المماسة والملاصقة لغة ولا عقلا ولا عرفا ، قال تعالى : ( والسحاب المسخر بين السماء والأرض ) وهو لا يلاصق السماء ولا الأرض ، وقال في حديث الشفاعة : " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف ، فقال أبو بكر : زدنا يا رسول الله ، قال وثلاث حثيات من حثيات ربي ، فقال عمر ، حسبك يا أبا بكر ، فقال أبو بكر ، دعني يا عمر ، وما عليك أن يدخلنا الجنة كلنا ، فقال عمر : إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحدة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق عمر " ، فصدقه في إثبات الكف لله وسعتها وعظمتها .

فهذا القبض والبسط والطي واليمين والأخذ والوقوف عن يمين الرحمن والكف وتقليب القلوب بأصابعه ووضع السماوات على إصبع والجبال على إصبع ، فذكر إحدى اليدين ، ثم قوله وبيده الأخرى ممتنع فيه اليد المجازية سواء كانت بمعنى القدرة أو بمعنى النعمة ، فإنها لا يتصرف فيها هذا التصرف ، هذه لغة العرب ، نظمهم ونثرهم ، هل تجدون فيها ذلك أصلا .

التالي السابق


الخدمات العلمية