الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ : سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا ، وَذَلِكَ أَدْنَى الْكَمَالِ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ فِي سُجُودِهِ : سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ } وَالْأَفْضَلُ : أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ ( اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) ، لِمَا رَوَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَجَدَ قَالَ ذَلِكَ " وَإِنْ قَالَ فِي سُجُودِهِ : سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ " فَهُوَ حَسَنٌ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي سُجُودِهِ " قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ رَجَاءَ الْإِجَابَةِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ } ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمَا إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا ، أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهَدُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ } ) المجموع ( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ضَعِيفٌ ، فَإِنَّهُ تَمَامُ الْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي الرُّكُوعِ { إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي رُكُوعِهِ : سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا ، فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ ، وَإِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي سُجُودِهِ : سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَآخَرُونَ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ ، وَسَبَقَ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ بَيَانُ تَضْعِيفِهِ وَبَيَانُ مَعْنَى " تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ " ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ : " أَمَا إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا إلَى آخِرِهِ فَرَوَاهَا كُلَّهَا مُسْلِمٌ بِلَفْظِهَا هُنَا ، وَحَدِيثُ : " أَمَا إنِّي نُهِيتُ " مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . وَأَمَّا شَرْحُ أَلْفَاظِهَا فَتَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ بَيَانُ حَقِيقَةِ التَّسْبِيحِ . وَقَوْلُهُ : " وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ " اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ : الْأُذُنُ مِنْ الْوَجْهِ ، وَقَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ ، وَمَعْنَى شَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ ، أَيْ مَنْفَذَهُمَا ، وَقَوْلُهُ : " تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " أَيْ تَعَالَى ، وَالْبَرَكَةُ : النَّمَاءُ وَالْعُلُوُّ ، حَكَاهُ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : تَبَرَّكَ الْعِبَادُ بِتَوْحِيدِهِ وَذِكْرِ اسْمِهِ ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : مَعْنَاهُ ثَبَتَ الْخَيْرُ عِنْدَهُ ، وَقِيلَ : تَعَظَّمَ وَتَمَجَّدَ قَالَهُ الْخَلِيلُ ، وَهُوَ بِمَعْنَى تَعْظِيمٍ وَقِيلَ : اسْتَحَقَّ التَّعْظِيمَ ، وَقَوْلُهُ : ( أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) أَيْ الْمُصَوِّرِينَ وَالْمُقَدِّرِينَ . وَقَوْلُهُ : " سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ " بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا وَبِفَتْحٍ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ أَفْصَحُهُمَا وَأَكْثَرُهُمَا الضَّمُّ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : هُمَا صِفَتَانِ لِلَّهِ تَعَالَى : وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ وَالتِّرْمِذِيُّ : اسْمَانِ لِلَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيرُهُ وَمَعْنَاهُ : مُسَبَّحٌ مُقَدَّسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَعْنَاهُ الْمُبَرَّأُ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ وَمِنْ الشَّرِيكِ وَمِنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِالْإِلَهِيَّةِ ، وَالرِّوَايَةُ هَكَذَا : سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ بِالرَّفْعِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ : وَقِيلَ : سُبُّوحًا قُدُّوسًا بِالنَّصْبِ أَيْ أُسَبِّحُ سُبُّوحًا أَوْ أُعَظِّمُ أَوْ أَذْكُرُ أَوْ أَعْبُدُ . وَقَوْلُهُ : " رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ " قِيلَ : الرُّوحُ جِبْرِيلُ وَقِيلَ : مَلَكٌ عَظِيمٌ أَعْظَمُ الْمَلَائِكَةِ خَلْقًا ، وَقِيلَ : أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ ، وَقِيلَ : خَلْقٌ كَالنَّاسِ لَيْسُوا بِنَاسٍ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَقَمِنٌ " هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَيُقَالُ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا : قَمِينٌ وَمَعْنَاهُ حَقِيقٌ ، وَقَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ أَكْمَلَ بَسْطٍ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ . ( أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ ) فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ : يُسَنُّ التَّسْبِيحُ فِي السُّجُودِ ، وَالِاجْتِهَادُ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولَ : " اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ " إلَى آخِرِ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَدْنَى السُّنَّةِ التَّسْبِيحُ وَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَسُبُّوحٌ قُدُّوسٌ وَالدُّعَاءُ ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ : فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ ، فَعَلَى التَّسْبِيحِ أَوْلَى ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَعُودُ هُنَا ، وَسَبَقَ هُنَاكَ أَذْكَارُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ جَمِيعًا . وَمِمَّا لَمْ يَسْبِقْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ ، دِقَّهُ وَجُلَّهُ ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { قَالَتْ : فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدَيَّ عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، وَمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَبِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ هَذَا كُلَّهُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ عَلَى ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْقَوْمُ الْمَحْصُورُونَ ، وَفِيهِ كَلَامٌ ذَكَرْتُهُ فِي ذِكْرِ الرُّكُوعِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ إمَامًا فَيُثْقِلُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ ، أَوْ مَأْمُومًا فَيُخَالِفُ إمَامَهُ ، قَالَ : وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي الذِّكْرِ سَوَاءٌ . وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذَا النَّصَّ عَنْ الْأُمِّ ، وَنَقَلَ عَنْ نَصِّهِ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ لَا يَدْعُو لِئَلَّا يُثْقِلَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ . قَالَ أَبُو حَامِدٍ : النَّصَّانِ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى ، يَعْنِي أَنَّهُ يَدْعُو بِحَيْثُ لَا يُطَوِّلُ عَلَيْهِمْ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِ حَالَةِ الْقِيَامِ لِلْحَدِيثِ ، فَلَوْ قَرَأَ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ لَمْ تَبْطُلْ وَفِي الْفَاتِحَةِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ وَسَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ سَبَقَ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ بَيَانُ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ التَّسْبِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية