الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            ( 8143 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَمْلِكُ مَالًا ، حَنِثَ بِمِلْكِ كُلِّ مَا يُسَمَّى مَالًا ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْأَثْمَانِ ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعَقَارِ وَالْأَثَاثِ وَالْحَيَوَانِ . وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ . وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، إنَّمَا يَتَنَاوَلُ نَذْرُهُ الصَّامِتَ مِنْ مَالِهِ . ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى ; لِأَنَّ إطْلَاقَ الْمَالِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ إلَّا إنْ مَلَكَ مَالًا زَكَوِيًّا ، اسْتِحْسَانًا ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } . فَلَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الزَّكَوِيَّةَ . وَلَنَا ، أَنَّ غَيْرَ الزَّكَوِيَّةِ أَمْوَالٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } . وَهِيَ مِمَّا يَجُوزُ ابْتِغَاءُ النِّكَاحِ بِهَا . وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءَ . يَعْنِي حَدِيقَةً . وَقَالَ عُمَرُ : أَصَبْت مَالًا بِأَرْضِ خَيْبَرَ ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ . وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : اشْتَرَيْت مَخْرَفًا ، فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ . وَفِي الْحَدِيثِ : { خَيْرُ الْمَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ ، أَوْ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ } . وَيُقَال : خَيْرُ الْمَالِ عَيْنٌ خَرَّارَةٌ ، فِي أَرْضٍ خَوَّارَةٍ . وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى مَالًا ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَالزَّكَوِيِّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ } . فَالْحَقُّ هَاهُنَا غَيْرُ الزَّكَاةِ ، لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ ، نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ الْحَقُّ الزَّكَاةَ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا ، فَإِنَّ الْحَقَّ إذَا كَانَ فِي بَعْضِ الْمَالِ ، فَهُوَ فِي الْمَالِ ، كَمَا أَنَّ مَنْ هُوَ فِي بَيْتٍ مِنْ دَارٍ ، أَوْ فِي بَلْدَةٍ ، فَهُوَ فِي الدَّارِ وَالْبَلْدَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } . وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ أَقْطَارِهَا . ثُمَّ لَوْ اقْتَضَى هَذَا الْعُمُومَ ، لَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ ، فَإِنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ مَالٌ ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ . فَإِنْ حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ ، وَلَهُ دَيْنٌ ، حَنِثَ . ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ . وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ . وَلَنَا ، أَنَّهُ يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ حَوْلُ الزَّكَاةِ ، وَيَصِحُّ إخْرَاجُهَا عَنْهُ ، وَيَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ ، وَالْحَوَالَةِ ، وَالْمُعَاوَضَةِ عَنْهُ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ ، وَالتَّوْكِيلِ فِي اسْتِيفَائِهِ ، فَيَحْنَثُ بِهِ ، كَالْمُودَعِ . وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مَغْصُوبٌ ، حَنِثَ ; لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ . وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ضَائِعٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا : يَحْنَثُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ . وَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ . وَإِنْ ضَاعَ عَلَى وَجْهٍ قَدْ يَئِسَ مِنْ عَوْدِهِ ، كَاَلَّذِي يَسْقُطُ فِي بَحْرٍ ، لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ مَالِهِ ، كَالْمَجْحُودِ ، وَالْمَغْصُوبِ ، وَاَلَّذِي عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ ; لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَعْدُومِ ، فِي جَوَازِ الْأَخْذِ مِنْ الزَّكَاةِ ، وَانْتِفَاءِ وُجُوبِ أَدَائِهَا عَلَيْهِ عَنْهُ . وَإِنْ تَزَوَّجَ لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّ مَا يَمْلِكُهُ لَيْسَ بِمَالٍ . وَإِنْ وَجَبَ لَهُ حَقُّ شُفْعَةٍ ، لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْمِلْكُ بِهِ . وَإِنْ اسْتَأْجَرَ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَالِكًا لِمَالٍ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية