الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                            مواهب الجليل في شرح مختصر خليل

                                                                                                                            الحطاب - محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعينى

                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ص ( وستة أذرع من الحجر )

                                                                                                                            ش : يعني أن من شرط صحة الطواف أن يخرج الطائف بجميع بدنه عن مقدار ستة أذرع من الحجر ; لأن ذلك من البيت ، كما ورد ذلك في الحديث الصحيح والحجر بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم هذا هو الصواب المعروف قال النووي وحكى بعضهم فتح الحاء وسمي حجرا لاستدارته ، وهو محوط مدور على صورة نصف دائرة خارج عن جدار الكعبة في جهة الشام ويقال : له الجدر بفتح الجيم وسكون الدال المهملة ، وهو من وضع الخليل عليه الصلاة والسلام ، وعلى ما ذكره الأزرقي في خبر رواه عن أبي إسحاق قال : وجعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام [ ص: 72 ] الحجر إلى جانب البيت عريشا من أراك تقتحمه العنز ، وكان زربا لغنم إسماعيل عليه الصلاة والسلام ثم إن قريشا أدخلت فيه أذرعا من الكعبة ، كما سيأتي وقول المصنف : ستة أذرع بإثبات التاء في العدد ; لأن الذراع تذكر وتؤنث ، قال في الصحاح : ذراع اليد يذكر ويؤنث ، وتبع المصنف - رحمه الله - في التقييد بستة أذرع اللخمي ، وإن كان اللخمي لم يصرح في كتاب الحج بستة أذرع إلا أنه صرح في كتاب الصلاة بأن الذي من البيت في الحجر هو مقدار ستة أذرع ، وكلامه في كتاب الحج يقتضي أن ذلك القدر هو الذي يطلب الخروج عنه في الطواف ونصه : لا يطاف في الحجر ، وإن طاف فيه لم يجزه ، فإن الموضع الذي ينصرف الناس منه يلي البيت ، وهو من البيت فكأنما طاف ببعض البيت ، ولو تسور من الطرف لأجزأه ; لأنه ليس من البيت ، وليس بحسن له أن يفعل ذلك انتهى .

                                                                                                                            ، وقد أسقط المصنف - رحمه الله - هنا ، وفي التوضيح والمناسك من كلام اللخمي قوله : وليس بحسن أن يفعل مع أن ذلك متعين ; لأن كلام المصنف يقتضي أنه لو فعل ذلك لم يكن فيه بأس وكلام اللخمي يقتضي أنه ليس بحسن ، وغير الحسن مكروه أو خلاف الأولى .

                                                                                                                            ( قلت : ) وكلام أصحابنا المتقدمين يقتضي أنه لا يصح الطواف إلا من وراء الحجر جميعه قال في المدونة ، ولا يعتد بما طاف في داخل الحجر ويبني على ما طاف خارجا منه ، وإن لم يذكر حتى رجع إلى بلده فليرجع ، وهو كمن لم يطف قال صاحب الطراز في شرح هذه المسألة : لأن الطواف إنما شرع بجميع البيت إجماعا ، فإذا سلك في طوافه الحجر أو على جداره أو على شاذروان البيت لم يعتد بذلك ، وهو قول الجمهور انتهى .

                                                                                                                            فصرح بأنه إذا طاف على جدار الحجر أنه لا يعتد بذلك ، وقد تقدم كلامه في شرح مسألة الشاذروان ، وقال القاضي عبد الوهاب في المعونة ، ولا يجزئ الطواف داخل الحجر خلافا لأبي حنيفة لقوله : صلى الله عليه وسلم { الحجر من البيت } ، وإذا ثبت أنه من البيت لم يجز أن يطوف فيه لقوله تعالى { وليطوفوا بالبيت العتيق } وذلك : يقتضي استيفاء جميعه ولأنه صلى الله عليه وسلم طاف خارج الحجر ، وقال { : خذوا عني مناسككم } واعتبارا بالطواف داخل البيت انتهى .

                                                                                                                            وقال في التلقين : ثم يطوف خارج الحجر ، وقال ابن عسكر في عمدته لما ذكر شروط الطواف وأن يطوف من وراء الحجر ، وقال ابن بشير : ولا يجزئ الطواف في الحجر فمن طاف فيه كان بمنزلة من طاف ببعض البيت ، وقال ابن شاس : الواجب الثالث : أن يكون بجميع بدنه خارجا عن البيت فلا يمشي على شاذروانه ، ولا في داخل الحجر ، فإن بعضه من البيت ، وقال ابن الحاجب لما ذكر واجبات الطواف : الثالث : أن يطوف خارجه لا في محوط الحجر ، ولا شاذروانه ، وقال ابن جزي الرابع : أن يكون بجميع بدنه خارجا عن البيت فلا يمشي على الشاذروان ، ولا على الحجر ، وذكر ابن عبد السلام كلام اللخمي بتمامه ، وعزاه لبعض المتأخرين ، ويشبه أنه جعله تقييدا ، وقال ابن عرفة في شروط الطواف : وكونه خارج البيت فلا يجزئ داخل الحجر ثم ذكر مسألة من ابتدأ من غير الحجر الأسود ثم ذكر كلام اللخمي بتمامه ، ولم ينبه على أنه تقييد لما قبله ، ولا خلاف ، وقال ابن مسدي في منسكه ، أما قولنا : ويطوف من وراء حجر إسماعيل فهو الإجماع ثم اختلفوا ، فقال أصحاب الرأي : يطوف من وراء الحجر استحبابا ، وقال جمهور العلماء بالوجوب استبراء ; لأن بعض الحجر من البيت مقدر غير معلوم العين ثم اتفقوا على أن من طاف ببناء البيت الظاهر ، ولم يدخل الحجر في طوافه أنه يعيد الطواف ما دام بمكة ثم اختلفوا ، فقال أبو حنيفة ، ومن تبعه : يعيد استحبابا ، وقال جمهور العلماء : يعيد وجوبا ; لأنه كمن لم يطف ، فإن لم يذكر حتى انصرف إلى بلاده فقال ابن عباس : هو كمن لم يطف ، وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل [ ص: 73 ] وإسحاق وداود وغيرهم من أهل العلم وقالوا : عليه أن يرجع من حيث كان يطوف من وراء الحجر انتهى .

                                                                                                                            إذا علم ذلك فالذي يظهر من كلام أصحابنا المتقدمين أنه لا يصح الطواف في شيء من الحجر ، ولا على جداره ، وذلك - والله أعلم - على وجهين : الأول منهما : أنه قد اختلفت الروايات في الحجر ، فقال ابن جماعة الشافعي : قال ابن الصلاح إن الروايات اضطربت في الحجر ففي رواية أنه من البيت ، وفي رواية ستة أذرع من الحجر ، وفي أخرى ست أو نحوها ، وفي رواية خمسة ويروى قريب من تسع وكل هذه الروايات في الصحيح ، فإذا طاف في شيء من الحجر يكون في شك من أداء الواجب ، وفي صحيح البخاري من قول ابن عباس : من طاف بالبيت فليطف من وراء الحجر ( الثاني : ) أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالحجر ، وقال { خذوا عني مناسككم } وهكذا فعل الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة ، ومن بعدهم قال النووي في شرح المهذب : وذلك يقتضي وجوب الطواف من خارج الحجر سواء كان كله من البيت أو بعضه ; لأنه وإن كان بعضه من البيت فالمعتمد في باب الحج الاقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فوجب الطواف بجميعه انتهى .

                                                                                                                            ( قلت : ) وهذا هو الظاهر من قول مالك في المدونة : ولا يعتد بما طاف داخل الحجر ; لأن ذلك شامل لستة أذرع ، ولما زاد عليها ، وهو الذي يظهر من كلام أصحابنا ، كما تقدم ، والذي قاله اللخمي - رحمه الله - إنما هو تفقه منه على عادته في اختياره لما يقتضيه الدليل والقياس ، وإن خالف المنصوص عن مالك وقوله : وليس بحسن أن يفعل ذلك يدل على ذلك ، والله أعلم .

                                                                                                                            وبما قاله اللخمي قال جماعة من الشافعية منهم إمام الحرمين وأبوه والبغوي وصححه الرافعي وبالقول الآخر قال جماهير الشافعية قال النووي ، وهو الصواب ، واحتج شيخ شيوخنا القاضي تقي الدين الفاسي المالكي في تاريخ مكة لما قاله اللخمي والرافعي بأن أفعاله صلى الله عليه وسلم في الحج منها ما هو واجب ، ومنها ما ليس بواجب ، فطوافه خارج الحجر ما يكون واجبا إلا بدليل ، ولا دليل إلا ما وقع في بعض رواية عائشة أن { الحجر من البيت } ، وهي رواية مطلقة فتحمل على الروايات المقيدة ، ويحمل طوافه خارج الحجر ليزيل عن غيره مشقة الاحتراز عن تحرير الستة أذرع ونحوها ومشقة تسور جدار الحجر خصوصا للنساء ، ومثل ذلك يقال : في طواف الخلفاء ، ومن بعدهم فيكون الطواف هكذا مطلوبا منه متأكدا لا وجوبا لعدم نهوض الدلالة على الوجوب من طوافه صلى الله عليه وسلم ، فإن خالف إنسان وتسور على جدار الحجر فطاف فيما ليس من الكعبة خصوصا على رواية سبعة أذرع ففي الجزم بفساد طوافه نظر كبير مما لا ينهض عليه دليل انتهى .

                                                                                                                            مختصرا وآخره باللفظ ( قلت : ) فيما قاله - رحمه الله - نظر ; لأن أفعاله صلى الله عليه وسلم محمولة على الوجوب حتى يدل دليل على الندب لا سيما في باب الحج قال النووي في شرح المهذب لما تكلم على اشتراط الطهارة في الطواف ثبت في صحيح مسلم من رواية جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخر حجته { لتأخذوا عني مناسككم } قال أصحابنا في الحديث دليلان : أحدهما : أن طوافه صلى الله عليه وسلم بيان للطواف المجمل في القرآن الثاني : قوله : صلى الله عليه وسلم { لتأخذوا عني } يقتضي وجوب كل ما فعله إلا ما قام دليل على عدم وجوبه انتهى .

                                                                                                                            ( قلت : ) ولا سيما في الطواف الذي ثبتت فرضيته بالقرآن مجملا ، ولم يعلم بيانه إلا من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فتحمل أفعاله فيه على الوجوب إلا ما دل دليل على عدم وجوبه كاستلام الحجر والاضطباع ، وقد استدل أئمة مذهبنا وغيرهم على وجوب كثير من أفعال الحج بفعله صلى الله عليه وسلم لذلك مع قوله : { خذوا عني مناسككم } إذا علم ذلك فالذي يظهر - والله أعلم - وجوب الطواف من وراء محوط الحجر ، وإن طاف داخله يعيد طوافه ، ولو تسور [ ص: 74 ] الجدار وطاف وراء الستة الأذرع أو السبعة ، وهذا ما دام بمكة ، فإن عاد إلى بلاده ، وكان طوافه من وراء الستة الأذرع فينبغي أن لا يؤمر بالعود مراعاة لمن يقول بالإجزاء ، كما تقدم في مسألة الشاذروان ، وقد تبع المصنف على التقييد بالستة الأذرع صاحب الشامل وغيره من المتأخرين ، وقد تبعتهم في المناسك التي كنت جمعتها ثم ظهر لي الآن خلاف ذلك ، والله أعلم بالصواب .

                                                                                                                            ( تنبيهات الأول : ) قوله في المدونة : ويبني على ما طاف خارجا منه قال أبو إبراهيم الأعرج في طرره على التهذيب يعني يبني على الأشواط الكاملة ، أما بعض الشوط فلا نقله عنه التادلي وابن فرحون في منسكيهما ، ولم ينبه على ذلك أبو الحسن ، ولا صاحب الطراز ، ولا غيرهما من شراح المدونة فيما علمت والظاهر بأنه يبني على ما طاف خارجا عنه ، ولو كان بعض شوط إلا أن يريد أبو إبراهيم إذا لم يعلم بذلك في ذلك الشوط بل طاف بعده شوطا أو أشواطا ثم تذكر ، فإنه إنما يبني على الأشواط الكاملة ، وهو مراده ، والله أعلم .

                                                                                                                            ( الثاني : ) قد تقدم في كتاب الصلاة أن في استقبال القبلة في الستة الأذرع قولين وتقدم أن الظاهر من القولين والراجح منهما : أنه لا يصح استقبالها ، فإن قيل : لا ينبغي أن يجري الخلاف في صحة الطواف فيها على ذلك الخلاف ، وإذا صححتم عدم الاستقبال فينبغي أن تصححوا الطواف فيها قلنا : أما على ما رجحناه هنا من منع الطواف به كله فلا يرد السؤال ; لأنا إنما منعناه لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، أما على ما قاله اللخمي وغيره فالجواب أنه احتيط في كل من البابين فمنعوا الصلاة فيه لعدم القطع ; لأنه من البيت ومنعوا الطواف فيه ; لأنه قد ثبت بحديث الصحيحين أنه من البيت

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            الخدمات العلمية