الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            قال علماء السير: ثم إن أبا جعفر هم بقتل أبي إسحاق صاحب حرس أبي مسلم ،  وبقتل نصر بن مالك - وكان على شرط أبي مسلم - فكلمه أبو الجهم وقال: يا أمير



            المؤمنين ، جنده جندك ، أمرتهم بطاعته فأطاعوه . فدعا أبا إسحاق وقال: أنت المبايع لعدو الله أبي مسلم على ما كان يفعل . فجعل يلتفت يمينا وشمالا تخوفا من أبي مسلم .

            فقال له المنصور : تكلم بما أردت ، فقد قتل الله الفاسق . وأمر بإخراجه إليه مقطعا ، فخر أبو إسحاق ساجدا ، فأطال السجود وقال: الحمد لله ، والله ما أمنته يوما واحدا ، وما جئته يوما إلا وقد أوصيت وتكفنت وتحنطت . فقال: استقبل طاعة خليفتك ، واحمد الله الذي أراحك من الفاسق ، ثم دعا مالك بن الهيثم فكلمه بمثل ذلك ، فاعتذر إليه بأنه أمره بطاعته ، ثم أمرهم بتفريق جند أبي مسلم .

            وبعث إلى عدة من قواد أبي مسلم بجوائز سنية ، وأعطى جميع جنوده حتى رضوا .

            وكان أبو مسلم قد خلف أصحابه بحلوان وقدم المدائن في ثلاثة آلاف ، وخلف أبا نصر على ثقله وقال: أقم حتى يأتيك كتابي ، قال: فاجعل بيني وبينك آية أعرف بها كتابك . قال: إن أتاك كتابي مختوما بنصف خاتم فأنا كتبته ، وإن أتاك بخاتم كله فلم أكتبه .

            فلما قتل أبو مسلم كتب أبو جعفر إلى أبي نصر كتابا عن لسان أبي مسلم يأمره بحمل ثقله وما خلف عنده ، وأن يقدم . وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم ، فلما رأى أبو نصر نقش الخاتم تاما علم أن أبا مسلم لم يكتبه ، فقال: أفعلتموها ، وانحدر إلى همدان وهو يريد خراسان ، فكتب أبو جعفر إلى أبي نصر بعهده على شهرزور ، فلما مضى العهد جاءه الخبر أنه قد توجه إلى خراسان ، فكتب أبو جعفر إلى عامله بهمدان: إن مر بك أبو نصر فاحبسه . فأخذه فحبسه ، فقدم صاحب [الكتاب] بالعهد لأبي نصر فخلى سبيله ، ثم قدم كتاب آخر بعده بيومين يقول فيه: إن كنت أخذت أبا نصر فاقتله .

            فقال: جاءني كتاب عهده فخليت سبيله .

            وقدم أبو نصر على أبي جعفر فقال له: أشرت على أبي مسلم بالمضي إلى خراسان فقال: نعم يا أمير المؤمنين ، كانت له عندي أياد وصنائع ، فاستشارني فنصحته ، وأنت يا أمير المؤمنين إن اصطنعتني نصحت لك وشكرت . فعفا عنه .

            وفي رواية: أن المنصور كتب إلى عامل أصبهان: لله دمك إن فاتك - يعني أبا نصر فأخذه وأوثقه وبعثه إليه فصفح عنه .

            وقد كان أبو الجهم بن عطية أحد النقباء ، وكان عينا لأبي مسلم على المنصور ، فلما اتهمه المنصور طاوله يوما بالحديث حتى عطش ، فاستسقى ماء فدعي له بسويق لوز ممزوج بالسكر ، وفيه سم ، فشربه ، فلما استقر في جوفه أحس بالموت ، فوثب مسرعا فقال له: إلى أين؟ قال: إلى حيث أرسلتني . فرجع إلى رحله فمات . فقال الشاعر:


            تجنب سويق اللوز لا تقربنه فشرب سويق اللوز أودى أبا الجهم

            وذهبت "شربة أبي الجهم" مثلا للشيء الطيب الطعم الخبيث العاقبة .

            قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ: إن المنصور كان يقول: ثلاث كن في صدري شفى الله منها: كتاب أبي مسلم إلي وأنا خليفة: عافانا الله وإياك من السوء ، ودخول رسوله علينا وقوله: أيكم ابن الحارثية؟ وضرب سليمان بن حبيب ظهري بالسياط .

            قال أبو محمد: كان سليمان قد استعمل المنصور على بعض كور فارس قبل أن تصير الخلافة إلى بني العباس ، فاحتجز المال لنفسه ، فضربه سليمان بالسياط ضربا شديدا وأغرمه المال ، فلما ولي الخلافة ضرب عنقه .

            التالي السابق


            الخدمات العلمية