الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      فلولا أنه كان من المسبحين أي من الذاكرين الله تعالى كثيرا بالتسبيح كما قيل، وفي كلام قتادة ما يشعر باعتبار الكثرة، واستفادتها على ما قال الخفاجي من جعله من المسبحين دون أن يقال: مسبحا، فإنه يشعر بأنه عريق فيهم منسوب إليهم، معدود في عدادهم، ومثله يستلزم الكثرة، وقيل: من التفعيل. ورد بأن معنى سبح لم يعتبر فيه ذلك، إذ هو قال سبحان الله، وقد يقال: هي من إرادة الثبوت من المسبحين فإنه يشعر بأن التسبيح ديدن لهم، والمراد بالتسبيح ها هنا حقيقته، وهو القول المذكور، أو ما في معناه، وروي ذلك عن ابن جبير.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا الكون عند بعض قبل التقام الحوت أيام الرخاء، واستظهر أبو حيان أنه في بطن الحوت، وأن التسبيح ما ذكره الله تعالى في قوله سبحانه: فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، وحمله بعضهم على الذكر مطلقا، وبعض آخر على العبادة كذلك، وجماعة منهم ابن عباس على الصلاة بل روي عنه أنه قال: كل ما في القرآن من التسبيح فهو بمعنى الصلاة، وأنت تعلم إن كان اللفظ فيما ذكر حقيقة شرعية، ولم يكن للتسبيح حقيقة أخرى شرعية أيضا لم يحتج إلى قرينة، وإن كان مجازا، أو كان للتسبيح حقيقة شرعية أخرى احتيج إلى قرينة، فإن وجدت فذاك، وإلا فالأمر غير خفي عليك، وكما اختلف في زمان التسبيح بالمعنى السابق اختلف في زمانه بالمعاني الأخر، أخرج أحمد في الزهد. وغيره عن ابن جبير في قوله تعالى: فلولا أنه كان من المسبحين قال: من المصلين قبل أن يدخل بطن الحوت، وأخرج أحمد وغيره أيضا عن الحسن في الآية قال: ما كان إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت، فذكر ذلك لقتادة فقال: لا إنما كان يعمل في الرخاء، وروي عن الحسن غير ما ذكر.

                                                                                                                                                                                                                                      فقد أخرج عنه ابن أبي حاتم ، والبيهقي في شعب الإيمان، والحاكم أنه قال في الآية: كان يكثر الصلاة في الرخاء، فلما حصل في بطن الحوت ظن أنه الموت، فحرك رجليه، فإذا هي تتحرك، فسجد، وقال: يا رب، اتخذت لك مسجدا في موضع لم يسجد فيه أحد.

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك بن قيس قال: اذكروا الله تعالى في الرخاء يذكركم في الشدة، فإن يونس - عليه السلام - كان عبدا صالحا ذاكرا لله تعالى، فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: فلولا أنه كان من المسبحين ، إلخ، وإن فرعون كان عبدا طاغيا ناسيا لذكر الله تعالى، فلما أدركه الغرق قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ، فقيل له: آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ، والأولى حمل زمان كونه من المسبحين على ما يعم زمان الرخاء وزمان كونه في بطن الحوت، فإن لاتصافه بذلك في كلا الزمانين مدخلا في خروجه من بطن الحوت المفهوم من قوله تعالى: فلولا أنه كان من المسبحين

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية