الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وتنتهي هذه الموجة بعرض ما وقع للمستهزئين بالرسل . ودعوة المكذبين إلى تدبر مصارع أسلافهم ، والسير في الأرض لرؤية هذه المصارع ; الناطقة بسنة الله في المستهزئين المكذبين :

                                                                                                                                                                                                                                      ولقد استهزئ برسل من قبلك، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون قل: سيروا في الأرض، ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين . .

                                                                                                                                                                                                                                      إن هذه اللفتة - بعد ذكر إعراضهم عنادا وتعنتا ; وبعد بيان ما في اقتراحاتهم من عنت وجهالة ; وما في عدم الاستجابة لهذه المقترحات من رحمة من الله وحلم - لترمي إلى غرضين ظاهرين :

                                                                                                                                                                                                                                      الأول : تسلية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتسرية عنه ، مما يلقاه من عناد المعرضين ، وعنت المكذبين وتطمين قلبه - صلى الله عليه وسلم - إلى سنة الله سبحانه في أخذ المكذبين المستهزئين بالرسل ; وتأسيته كذلك بأن هذا الإعراض والتكذيب ليس بدعا في تاريخ الدعوة إلى الحق . فقد لقي مثله الرسل قبله ; وقد لقي المستهزئون جزاءهم الحق وحاق بهم ما كانوا يستهزئون به من العذاب ، ومن غلبة الحق على الباطل في نهاية المطاف . .

                                                                                                                                                                                                                                      والثاني : لمس قلوب المكذبين المستهزئين من العرب بمصارع أسلافهم من المكذبين المستهزئين : وتذكيرهم بهذه المصارع التي تنتظرهم إن هم لجوا في الاستهزاء والسخرية والتكذيب . وقد أخذ الله - من قبلهم - قرونا كانت أشد منهم قوة وتمكينا في الأرض ; وأكثر منهم ثراء ورخاء ، كما قال لهم في مطلع هذه الموجة ; التي ترج القلوب رجا بهذه اللفتات الواقعية المخيفة .

                                                                                                                                                                                                                                      ومما يستدعي الانتباه ذلك التوجيه القرآني :

                                                                                                                                                                                                                                      قل: سيروا في الأرض، ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين . .

                                                                                                                                                                                                                                      والسير في الأرض للاستطلاع والتدبر والاعتبار ; ولمعرفة سنن الله مرتسمة في الأحداث ، والوقائع ; مسجلة في الآثار الشاخصة ، وفي التاريخ المروي في الأحاديث المتداولة حول هذه الآثار في أرضها وقومها . . السير على هذا النحو ، لمثل هذا الهدف ، وبمثل هذا الوعي . . أمور كلها كانت جديدة على العرب ; تصور مدى النقلة التي كان المنهج الإسلامي الرباني ينقلهم إليها من جاهليتهم إلى هذا المستوى من الوعي والفكر والنظر والمعرفة .

                                                                                                                                                                                                                                      لقد كانوا يسيرون في الأرض ، ويتنقلون في أرجائها للتجارة والعيش ، وما يتعلق بالعيش من صيد ورعي . . أما أن يسيروا وفق منهج معرفي تربوي . . فهذا كان جديدا عليهم . وكان هذا المنهج الجديد يأخذهم به ; وهو يأخذ بأيديهم من سفح الجاهلية ، في الطريق الصاعد ، إلى القمة السامقة التي بلغوا إليها في النهاية .

                                                                                                                                                                                                                                      ولقد كان تفسير التاريخ الإنساني وفق قواعد منهجية كهذه التي كان القرآن يوجه إليها العرب ; ووفق سنن [ ص: 1046 ] مطردة تتحقق آثارها كلما تحققت أسبابها - بإذن الله - ويستطيع الناس ملاحظتها ; وبناء تصوراتهم للمقدمات والنتائج عليها ; ومعرفة مراحلها وأطوارها . . كان هذا المنهج برمته في تفسير التاريخ شيئا جديدا على العقل البشري كله في ذلك الزمان . إذ كان قصارى ما يروى من التاريخ وما يدون من الأخبار ، مجرد مشاهدات أو روايات عن الأحداث والعادات والناس ; لا يربط بينها منهج تحليلي أو تكويني يحدد الترابط بين الأحداث ، كما يحدد الترابط بين المقدمات والنتائج ، وبين المراحل والأطوار . . فجاء المنهج القرآني ينقل البشرية إلى هذا الأفق ; ويشرع لهم منهج النظر في أحداث التاريخ الإنساني . . وهذا المنهج ليس مرحلة في طرائق الفكر والمعرفة . إنما هو "المنهج " . . هو الذي يملك وحده إعطاء التفسير الصحيح للتاريخ الإنساني .

                                                                                                                                                                                                                                      والذين يأخذهم الدهش والعجب للنقلة الهائلة التي انتقل إليها العرب في خلال ربع قرن من الزمان على عهد الرسالة المحمدية ، وهي فترة لا تكفي إطلاقا لحدوث تطور فجائي في الأوضاع الاقتصادية ، سيرتفع عنهم الدهش ويزول العجب ، لو أنهم حولوا انتباههم من البحث في العوامل الاقتصادية ; ليبحثوا عن السر في هذا المنهج الرباني الجديد ، الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله العليم الخبير . . ففي هذا المنهج تكمن المعجزة ، وفي هذا المنهج يكمن السر الذي يبحثون عنه طويلا عند الإله الزائف الذي أقامته المادية حديثا . . إله الاقتصاد . .

                                                                                                                                                                                                                                      وإلا فأين هو التحول الاقتصادي المفاجئ في الجزيرة العربية ; الذي ينشئ من التصورات الاعتقادية ونظام الحكم ، ومناهج الفكر ، وقيم الأخلاق ، وآماد المعرفة ، وأوضاع المجتمع ، كل هذا الذي نشأ في ربع قرن من الزمان ؟ !

                                                                                                                                                                                                                                      إن هذه اللفتة :

                                                                                                                                                                                                                                      قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين .

                                                                                                                                                                                                                                      إلى جانب اللفتة التي جاءت في صدر هذه الموجة من قوله تعالى : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم، وأرسلنا السماء عليهم مدرارا، وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم، فأهلكناهم بذنوبهم، وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين . .

                                                                                                                                                                                                                                      إلى جانب أمثالها في هذه السورة وفي القرآن كله لتؤلف جانبا من منهج جديد جدة كاملة على الفكر البشري . وهو منهج باق . ومنهج كذلك فريد . .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية