الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ولقد كان من مقتضى ثبوت الوحي، وإيحاء القصص، واللفتات واللمسات التي تحرك القلوب، أن يؤمن الناس بهذا القرآن، وهم يشهدون الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويعرفون أحواله، ثم يسمعون منه ما يسمعون. ولكن أكثر الناس لا يؤمنون. وهم يمرون كذلك على الآيات المبثوثة في صفحة الوجود فلا ينتبهون إليها، ولا يدركون مدلولها، كالذي يلوي صفحة وجهه فلا يرى ما يواجهه. فما الذي ينتظرونه؟ وعذاب الله قد يأخذهم بغته وهم لا يشعرون:

                                                                                                                                                                                                                                      وما أكثر الناس - ولو حرصت - بمؤمنين. وما تسألهم عليه من أجر، إن هو إلا ذكر للعالمين. وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون. وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون. أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون؟ ..

                                                                                                                                                                                                                                      ولقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - حريصا على إيمان قومه، رغبة في إيصال الخير الذي جاء به إليهم، ورحمة لهم مما ينتظر المشركين من نكد الدنيا وعذاب الآخرة. ولكن الله العليم بقلوب البشر، الخبير بطبائعهم وأحوالهم، ينهي إليه أن حرصه على إيمانهم لن يسوق الكثرة المشركة إلى الإيمان، لأنهم - كما قال في هذه الآيات - يمرون على الآيات الكثيرة معرضين. فهذا الإعراض لا يؤهلهم للإيمان، ولا يجعلهم ينتفعون بدلائله المبثوثة في الآفاق.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 2032 ] وإنك لغني عن إيمانهم فما تطلب منهم أجرا على الهداية; وإن شأنهم في الإعراض عنها لعجيب، وهي تبذل لهم بلا أجر ولا مقابل:

                                                                                                                                                                                                                                      وما تسألهم عليه من أجر، إن هو إلا ذكر للعالمين ..

                                                                                                                                                                                                                                      تذكرهم بآيات الله، وتوجه إليها أبصارهم وبصائرهم، وهي مبذولة للعالمين، لا احتكار فيها لأمة ولا جنس ولا قبيلة، ولا ثمن لها يعجز عنه أحد، فيمتاز الأغنياء على الفقراء، ولا شرط لها يعجز عنه أحد فيمتاز القادرون على العاجزين. إنما هي ذكرى للعالمين. ومائدة عامة شاملة معروضة لمن يريد..

                                                                                                                                                                                                                                      وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ..

                                                                                                                                                                                                                                      والآيات الدالة على الله ووحدانيته وقدرته كثيرة مبثوثة في تضاعيف الكون، معروضة للأبصار والبصائر. في السماوات وفي الأرض. يمرون عليها صباح مساء، آناء الليل وأطراف النهار. وهي ناطقة تكاد تدعو الناس إليها. بارزة تواجه العيون والمشاعر. موحية تخايل للقلوب والعقول. ولكنهم لا يرونها ولا يسمعون دعاءها ولا يحسون إيقاعها العميق.

                                                                                                                                                                                                                                      وإن لحظة تأمل في مطلع الشمس ومغيبها. لحظة تأمل في الظل الممدود ينقص بلطف أو يزيد. لحظة تأمل في الخضم الزاخر، والعين الفوارة، والنبع الروي. لحظة تأمل في النبتة النامية، والبرعم الناعم، والزهرة المتفتحة، والحصيد الهشيم. لحظة تأمل في الطائر السابح في الفضاء، والسمك السابح في الماء، والدود السارب والنمل الدائب، وسائر الحشود والأمم من الحيوان والحشرات والهوام.. لحظة تأمل في صبح أو مساء، في هدأة الليل أو في زحمة النهار.. لحظة واحدة يتسمع فيها القلب البشري إلى إيقاعات هذا الوجود العجيب..

                                                                                                                                                                                                                                      إن لحظة واحدة لكافية لارتعاش هذا القلب بقشعريرة الإدراك الرهيب، والتأثر المستجيب. ولكنهم يمرون عليها وهم عنها معرضون .. لذلك لا يؤمن الأكثرون

                                                                                                                                                                                                                                      وحتى الذين يؤمنون، كثير منهم يتدسس الشرك - في صورة من صوره - إلى قلوبهم. فالإيمان الخالص يحتاج إلى يقظة دائمة تنفي عن القلب أولا بأول كل خالجة شيطانية، وكل اعتبار من اعتبارات هذه الأرض في كل حركة وكل تصرف، لتكون كلها لله، خالصة له دون سواه. والإيمان الخالص يحتاج إلى حسم كامل في قضية السلطان على القلب وعلى التصرف والسلوك فلا تبقى في القلب دينونة إلا لله سبحانه، ولا تبقى في الحياة عبودية إلا للمولى الواحد الذي لا راد لما يريد:

                                                                                                                                                                                                                                      وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ..

                                                                                                                                                                                                                                      مشركون قيمة من قيم هذه الأرض في تقريرهم للأحداث والأشياء والأشخاص. مشركون سببا من الأسباب مع قدرة الله في النفع أو الضر سواء. مشركون في الدينونة لقوة غير قوة الله من حاكم أو موجه لا يستمد من شرع الله دون سواه. مشركون في رجاء يتعلق بغير الله من عباده على الإطلاق. مشركون في تضحية يشوبها التطلع إلى تقدير الناس. مشركون في جهاد لتحقيق نفع أو دفع ضر ولكن لغير الله. مشركون في عبادة يلحظ فيها وجه مع وجه الله.. لذلك يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل".

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 2033 ] وفي الأحاديث نماذج من هذا الشرك الخفي:

                                                                                                                                                                                                                                      روى الترمذي - وحسنه - من رواية ابن عمر : "من حلف بغير الله فقد أشرك".

                                                                                                                                                                                                                                      وروى أحمد وأبو داود وغيره عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إن الرقى والتمائم شرك".

                                                                                                                                                                                                                                      وفي مسند الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "من علق تميمة فقد أشرك".

                                                                                                                                                                                                                                      وعن أبي هريرة - بإسناده - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "يقول الله: أنا أغني الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه".

                                                                                                                                                                                                                                      وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك".

                                                                                                                                                                                                                                      وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن محمود بن لبيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: "الرياء. يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جاء الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء"؟

                                                                                                                                                                                                                                      فهذا هو الشرك الخفي الذي يحتاج إلى اليقظة الدائمة للتحرز منه ليخلص الإيمان.

                                                                                                                                                                                                                                      وهناك الشرك الواضح الظاهر، وهو الدينونة لغير الله في شأن من شؤون الحياة. الدينونة في شرع يتحاكم إليه - وهو نص في الشرك لا يجادل عليه - والدينونة في تقليد من التقاليد كاتخاذ أعياد ومواسم يشرعها الناس ولم يشرعها الله. والدينونة في زي من الأزياء يخالف ما أمر الله به من الستر ويكشف أو يحدد العورات التي نصت شريعة الله أن تستر..

                                                                                                                                                                                                                                      والأمر في مثل هذه الشؤون يتجاوز منطقة الإثم والذنب بالمخالفة حين يكون طاعة وخضوعا ودينونة لعرف اجتماعي سائد من صنع العبيد، وتركا للأمر الواضح الصادر من رب العبيد.. إنه عندئذ لا يكون ذنبا، ولكنه يكون شركا. لأنه يدل على الدينونة لغير الله فيما يخالف أمر الله.. وهو من هذه الناحية أمر خطير..

                                                                                                                                                                                                                                      ومن ثم يقول الله:

                                                                                                                                                                                                                                      وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ..

                                                                                                                                                                                                                                      فتنطبق على من كان يواجههم رسول الله في الجزيرة، وتشمل غيرهم على تتابع الزمان وتغير المكان.

                                                                                                                                                                                                                                      وبعد فما الذي ينتظره أولئك المعرضون عن آيات الله المعروضة في صفحات الوجود، بعد إعراضهم عن آيات القرآن التي لا يسألون عليها أجرا؟

                                                                                                                                                                                                                                      ماذا ينتظرون؟

                                                                                                                                                                                                                                      أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله، أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون؟ ..

                                                                                                                                                                                                                                      وهي لمسة قوية لمشاعرهم، لإيقاظهم من غفلتهم، وليحذروا عاقبة هذه الغفلة. فإن عذاب الله الذي لا [ ص: 2034 ] يعلم موعده أحد، قد يغشاهم اللحظة بغاشية تلفهم وتشملهم، وربما تكون الساعة على الأبواب فيطرقهم اليوم الرهيب المخيف بغتة وهم لا يشعرون.. إن الغيب موصد الأبواب، لا تمتد إليه عين ولا أذن، ولا يدري أحد ماذا سيكون اللحظة، فكيف يأمن الغافلون؟

                                                                                                                                                                                                                                      وإذا كانت آيات هذا القرآن الذي يحمل دليل الرسالة، وكانت الآيات التي يحفل بها الكون معروضة للأنظار.. إذا كانت هذه وتلك يمرون عليها وهم عنها معرضون، ويشركون بالله شركا ظاهرا أو خفيا وهم الأكثرون. فالرسول - صلى الله عليه وسلم - ماض في طريقه ومن اهتدى بهديه، لا ينحرفون ولا يتأثرون بالمنحرفين:

                                                                                                                                                                                                                                      قل: هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله! وما أنا من المشركين .

                                                                                                                                                                                                                                      قل: هذه سبيلي ..

                                                                                                                                                                                                                                      واحدة مستقيمة، لا عوج فيها ولا شك ولا شبهة.

                                                                                                                                                                                                                                      أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ..

                                                                                                                                                                                                                                      فنحن على هدى من الله ونور. نعرف طريقنا جيدا، ونسير فيها على بصر وإدراك ومعرفة، لا نخبط ولا نتحسس، ولا نحدس. فهو اليقين البصير المستنير. ننزه الله - سبحانه - عما لا يليق بألوهيته، وننفصل وننعزل ونتميز عن الذين يشركون به:

                                                                                                                                                                                                                                      وما أنا من المشركين ..

                                                                                                                                                                                                                                      لا ظاهر الشرك ولا خافيه.

                                                                                                                                                                                                                                      هذه طريقي فمن شاء فليتابع، ومن لم يشأ فأنا سائر في طريقي المستقيم.

                                                                                                                                                                                                                                      وأصحاب الدعوة إلى الله لا بد لهم من هذا التميز، لا بد لهم أن يعلنوا أنهم أمة وحدهم، يفترقون عمن لا يعتقد عقيدتهم، ولا يسلك مسلكهم، ولا يدين لقيادتهم، ويتميزون ولا يختلطون! ولا يكفي أن يدعوا أصحاب هذا الدين إلى دينهم، وهم متميعون في المجتمع الجاهلي. فهذه الدعوة لا تؤدي شيئا ذا قيمة! إنه لا بد لهم منذ اليوم الأول أن يعلنوا أنهم شيء آخر غير الجاهلية; وأن يتميزوا بتجمع خاص آصرته العقيدة المتميزة، وعنوانه القيادة الإسلامية.. لا بد أن يميزوا أنفسهم من المجتمع الجاهلي; وأن يميزوا قيادتهم من قيادة المجتمع الجاهلي أيضا!

                                                                                                                                                                                                                                      إن اندغامهم وتميعهم في المجتمع الجاهلي، وبقاءهم في ظل القيادة الجاهلية، يذهب بكل السلطان الذي تحمله عقيدتهم، وبكل الأثر الذي يمكن أن تنشئه دعوتهم، وبكل الجاذبية التي يمكن أن تكون للدعوة الجديدة.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذه الحقيقة لم يكن مجالها فقط هو الدعوة النبوية في أوساط المشركين.. إن مجالها هو مجال هذه الدعوة كلما عادت الجاهلية فغلبت على حياة الناس.. وجاهلية القرن العشرين لا تختلف في مقوماتها الأصيلة، وفي ملامحها المميزة عن كل جاهلية أخرى واجهتها الدعوة الإسلامية على مدار التاريخ!

                                                                                                                                                                                                                                      والذين يظنون أنهم يصلون إلى شيء عن طريق التميع في المجتمع الجاهلي والأوضاع الجاهلية، والتدسس الناعم من خلال تلك المجتمعات ومن خلال هذه الأوضاع بالدعوة إلى الإسلام.. هؤلاء لا يدركون طبيعة هذه العقيدة ولا كيف ينبغي أن تطرق القلوب! .. إن أصحاب المذاهب الإلحادية أنفسهم يكشفون عن [ ص: 2035 ] عنوانهم وواجهتهم ووجهتهم! أفلا يعلن أصحاب الدعوة إلى الإسلام عن عنوانهم الخاص؟ وطريقهم الخاص؟ وسبيلهم التي تفترق تماما عن سبيل الجاهلية؟

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية