الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      سُورَةُ "ق" وَتُسَمَّى الْبَاسِقَاتِ مَقْصُودُهَا تَصْدِيقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّسَالَةِ الَّتِي مُعْظَمُهَا الْإِنْذَارُ وَأَعْظَمُهُ الْإِعْلَامُ بِيَوْمِ الْخُرُوجِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الْآيَاتِ الْمَسْمُوعَةِ الْغَنِيَّةِ بِإِعْجَازِهَا عَنْ تَأْيِيدٍ بِالْآيَاتِ الْمَرْئِيَّةِ الدَّالَّةِ قَطْعًا عَلَى الْإِحَاطَةِ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ: مَقْصُودُهَا الدَّلَالَةُ عَلَى إِحَاطَةِ الْقُدْرَةِ الَّتِي هِيَ نَتِيجَةُ مَا خُتِمَتْ بِهِ الْحُجُرَاتُ مِنْ إِحَاطَةِ الْعِلْمِ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْبَعْثِ لِيَوْمِ الْوَعِيدِ، فَتَكْتَنِفُ هَذِهِ الْإِحَاطَةُ بِمَا يَحْصُلُ مِنَ الْفَضْلِ بَيْنَ الْعِبَادِ بِالْعَدْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ سِرُّ الْوُجُودِ وَذَلِكَ هُوَ نَتِيجَةُ مَقْصُودِ الْبَقَرَةِ، وَالَّذِي تَكَفَّلَ بِالدَّلَالَةِ عَلَى هَذَا كُلِّهِ مَا شُوهِدَ مِنْ إِحَاطَةِ [مَجْدِ] الْقُرْآنِ بِإِعْجَازِهِ فِي بُلُوغِهِ فِي كُلٍّ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَانِي وَعُلُوِّ التَّرَاكُبِ وَجَلَالَةِ الْمُفْرَدَاتِ وَتَلَازُمِ الْحُرُوفِ وَتَنَاسُبِ النَّظْمِ وَرَشَاقَةِ الْجَمْعِ وَحَلَاوَةِ التَّفْضِيلِ إِلَى حَدٍّ لَا تُطِيقُهُ الْقُوَى، وَمِنْ إِحَاطَةِ أَوْصَافِ الرَّسُولِ الَّذِي اخْتَارَهُ سُبْحَانَهُ لِإِبْلَاغِ هَذَا الْكِتَابِ فِي الْخَلْقِ، وَمَا شُوهِدَ مِنْ إِحَاطَةِ الْقُدْرَةِ بِمَا هَدَى إِلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ آيَاتِ الْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ، وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ دَلَّ اسْمُهَا "ق" لِمَا فِي آيَاتِهِ مِنْ إِثْبَاتِ الْمَجْدِ بِهَذَا الْكِتَابِ، وَالْمَجْدُ هُوَ الشَّرَفُ وَالْكَرَمُ وَالرِّفْعَةُ وَالْعُلُوُّ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا وَالْآتِي بِهِ كَذَلِكَ، وَهُوَ مُلَازِمٌ لِصِدْقِهِ فِي جَمِيعِ مَا أَتَى بِهِ، وَلِلْقَافِ وَحْدَهَا أَتَمُّ دَلَالَةٍ عَلَى ذَلِكَ، أَوَّلًا بِمَخْرَجِهَا فَإِنَّهُ مِنْ أَصْلِ اللِّسَانِ مِمَّا يَلِي الْحَلْقَ وَيُحَاذِيهِ مِنَ الْحَنَكِ الْأَعْلَى؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَقْصُودَ السُّورَةِ الْأَصْلُ وَالْعُلُوُّ، وَكُلٌّ مِنْهَا دَالٌّ عَلَى الصِّدْقِ دَلَالَةً قَوِيَّةً؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي وَضْعِ الْخَبَرِ الصِّدْقُ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْكَذِبِ وَضْعِيَّةٌ لَا عَقْلِيَّةٌ، وَهِيَ أَيْضًا مُحِيطَةٌ بِاسْمِهَا أَوْ مُسَمَّاهَا بِالْمَخَارِجِ الثَّلَاثِ، وَالْإِحَاطَةُ بِالْحَقِّ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الْعُلُوِّ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الصِّدْقِ، وَلِإِحَاطَتِهَا سُمِّيَ بِهَا الْجَبَلُ الْمُحِيطُ بِالْأَرْضِ، هَذَا بِمَخْرَجِهَا، وَأَمَّا صِفَتُهَا فَإِنَّهَا عَظِيمَةٌ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ لَهَا الْجَهْرَ وَالشِّدَّةَ وَالِانْفِتَاحَ وَالِاسْتِعْلَاءَ وَالْقَلِقَةَ، وَكُلٌّ مِنْهَا ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ جِدًّا، وَأَدَلُّ مَا فِيهَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى هَذَا الْمَقْصِدِ النَّخْلُ؛ لِمَا انْفَرَدَتْ بِهِ عَمَّا شَارَكَهَا مِنَ النَّبَاتِ بِالْإِحَاطَةِ بِالطُّولِ وَكَثْرَةِ الْمَنَافِعِ؛ فَإِنَّهَا جَامِعَةٌ لِلتَّفَكُّهِ بِالْقَلْبِ ثُمَّ الطَّلْعِ ثُمَّ الْبُسْرِ ثُمَّ الرُّطَبِ وَبِالِاقْتِيَاتِ بِالتَّمْرِ وَبِالْخَشَبِ وَالْحَطَبِ وَالْقَطَا وَالْخُوصِ النَّافِعِ لِلِافْتِرَاشِ وَاللِّيفِ النَّافِعِ لِلْحِبَالِ، وَدُونَ ذَلِكَ وَأَعْلَاهُ مِنَ الْخِلَالِ، هَذَا مَعَ كَثْرَةِ مُلَابَسَةِ الْعَرَبِ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَدْعُوٍّ بِهَذَا الْكِتَابِ الذِّكْرِ لَهَا وَمَعْرِفَتُهُمْ بِخَوَاصِّهَا، وَأَدُلُّ مَا فِيهَا الطُّولُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لِعُرُوقِهَا مِنَ الِامْتِدَادِ فِي الْأَرْضِ وَالتَّمَكُّنِ مَا لِغَيْرِهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ غَيْرُ كَافٍ فِي الْعَادَةِ فِي الْإِمْسَاكِ عَنِ السُّقُوطِ وَكَثْرَةِ الْحَمْلِ وَعِظَمِ الْإِفْنَاءِ وَتَنَاضُدِ الثَّمَرِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ سُورَةَ الْبَاسِقَاتِ لَا النَّخْلِ. "بِسْمَ اللَّهِ" الَّذِي مِنْ إِحَاطَةِ حَمْدِهِ بَيَانُهُ مَا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِحَاطَةِ الْحَمْدِ، وَلِقُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الْإِحَاطَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا حَدٌّ. "الرَّحْمَنِ" الَّذِي عَمَّ خَلْقَهُ بِرَحْمَتِهِ حِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرَائِعِهِ، فَهُوَ أَصْدَقُ الْعِبَادِ، وَأَظْهَرَ بِعَظِيمِ مُعْجِزَاتِهِ أَنَّ قُدْرَتَهُ مَا لَهَا مِنْ نَفَادٍ. "الرَّحِيمِ" الَّذِي خَصَّ بِالْفَوْزِ فِي دَارِ الْقَرَارِ أَهْلَ الرِّغَادِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية