الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله وصام العاجز عنه ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة وسبعة إذا فرغ ولو بمكة ) أي صام العاجز عن الهدي لقوله تعالى { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة } والعبرة لأيام النحر في العجز والقدرة وكذا لو قدر على الهدي قبل أن يكمل [ ص: 388 ] صوم الثلاثة أيام أو بعدما أكمل قبل أن يحلق ويحل وهو في أيام الذبح بطل صومه ، ولا يحل إلا بالهدي ولو وجد الهدي بعدما حلق وحل قبل أن يصوم السبعة صح صومه ، ولا يجب عليه ذبح الهدي ولو صام ثلاثة أيام ولم يحلق ولم يحل حتى مضت أيام الذبح ثم وجد الهدي فصومه ماض ولا شيء عليه كذا ذكر الإسبيجابي ، ويدل على أنه لو صام في وقته مع وجود الهدي ينظر فإن بقي إلى يوم النحر لم يجزه للقدرة على الأصل وإن هلك قبل الذبح جاز للعجز عن الأصل فكان المعتبر وقت التحلل كذا في فتح القدير ، وقوله آخرها يوم عرفة بيان للأفضل وإلا فوقته وقت الحج بعد الإحرام بالعمرة ; لأن المراد بالحج في الآية وقته ; لأن نفسه لا يصلح ظرفا ، وإنما كان الأفضل التأخير ; لأن الصوم بدل عن الهدي فيستحب تأخيره إلى آخر وقته رجاء أن يقدر على الأصل كذا في الهداية .

                                                                                        وأشار بقوله إذا فرغ إلى أن المراد بالرجوع في الآية الفراغ من أعمال الحج مجازا إذ الفراغ سبب للرجوع إلى أهله ، وقد عمل الشافعي بالحقيقة فلم يجوز صومها بمكة ، ويشهد له حديث البخاري مرفوعا { وسبعة إذا رجعتم إلى أهليكم } وإنما عدل أئمتنا عن الحقيقة إلى المجاز لفرع مجمع عليه وهو أنه لو لم يكن له وطن أصلا ليرجع إليه بل مستمر على السياحة وجب عليه صومها بهذا النص ولا يتحقق في حقه سوى الرجوع عن الأعمال ، وكذا لو رجع إلى مكة غير قاصد للإقامة بها حتى تحقق رجوعه إلى غير أهله ووطنه ثم بدا له أن يتخذها وطنا كان له أن يصوم بها مع أنه لم يتحقق منه الرجوع إلى وطنه كذا في فتح القدير وأراد بالفراغ الفراغ من أعمال الحج فرضا وواجبا وهو بمضي أيام التشريق ; لأن اليوم الثالث منها يوم للرمي الواجب على من أقام به حتى طلع الفجر فيفيد أنه لو صام السبعة وبعضها من أيام التشريق فإنه لا يجوز ، ولما قدمه في بحث الصوم من النهي عن الصوم فيها مطلقا فلذا لم يقيد هاهنا .

                                                                                        ( قوله فإن لم يصم إلى يوم النحر تعين الدم ) أي إن لم يصم الثلاثة حتى دخل يوم النحر لم يجزه الصوم أصلا ، وصار الدم متعينا ; لأن الصوم بدل والأبدال لا تنصب إلا شرعا ، والنص خصه بوقت الحج وجواز الدم على الأصل وعن ابن عمر أنه أمر في مثله بذبح الشاة فلو لم يقدر على الهدي تحلل وعليه دمان [ ص: 389 ] دم التمتع ودم التحلل قبل الهدي كذا في الهداية هنا ، وقال فيما يأتي في آخر الجنايات فإن حلق القارن قبل أن يذبح فعليه دمان عند أبي حنيفة دم بالحلق في غير أوانه ; لأن أوانه بعد الذبح ، ودم بتأخير الذبح عن الحلق وعندهما يجب عليه دم واحد وهو الأول فنسبه صاحب غاية البيان إلى التخليط لكونه جعل أحد الدمين هنا دم الشكر والآخر دم الجناية وهو صواب وفيما يأتي أثبت عند أبي حنيفة دمين آخرين سوى دم الشكر ، ونسبه في فتح القدير أيضا في باب الجنايات إلى السهو ، وليس كما قالا بل كلامه صواب في الموضعين فهنا لما لم يكن جانيا بالتأخير لأنه لعجزه لم يلزمه لأجله دم ولزمه دم للحلق في غير أوانه وفي باب الجنايات لما كان جانيا بحلقه قبل الذبح لزمه دمان كما قرره ، ولم يذكر دم الشكر ; لأنه قدمه في باب القران وليس الكلام إلا في الجناية ، وسيأتي تمامه هناك بأزيد من هذا إن شاء الله تعالى .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        ( قول المصنف وصام العاجز عنه ) اختلف أصحابنا في تعريف حد الغني في باب الكفارات فقال بعضهم قوت شهر فإن كان عنده أقل منه جاز له الصوم ، وقال ابن مقاتل من كان عنده قوت يوم وليلة لم يجز له الصوم إن كان الطعام الذي عنده مقدار ما هو الواجب عليه ، وهو موافق لما روي عن أبي حنيفة وهو رواية عن أبي يوسف أنه إذا كان عنده قدر ما يشترى به ما وجب ، وليس له غيره لا يجزئه الصوم وقال بعضهم في العامل بيده أي الكاسب يمسك قوت يومه ويكفر بالباقي ومن لا يعمل يمسك قوت شهر على ما ذكره الكرماني وهو تفصيل حسن إلا أن هذا إذا لم يكن في ملكه عين المنصوص ، وإلا فلا يجوز له الصوم كما صرح به في الخلاصة والبدائع ولو كان عليه دين كما ذكره بعضهم وعن أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة إن كان له فضل عن مسكنه وكسوته عن الكفاف وكان الفضل مائتي درهم فصاعدا لا يجزئه الصوم كذا في شرح اللباب وفي حاشية المدني عن المنسك الكبير للسندي يعلم من عبارة الظهيرية أن من كان بمكة معسرا وببلده موسرا يجوز في حقه الصوم ; لأن مكان الدم مكة فاعتبر يساره وإعساره بها ا هـ .

                                                                                        ( قوله والعبرة لأيام النحر في العجز والقدرة ) ذكر الشرنبلالي في رسالة سماها بديعة الهدي لما استيسر من الهدي وذكر أن المحلل عن الإحرام لغير المحصر إنما هو الحلق أو التقصير وللمحصر ذبح الهدي في محله ، وذكر أن الهدي وجب شكرا على القارن والمتمتع وأنه أصل والصوم خلف عنه وأن شرط بدليته تقديم الثلاثة على يوم النحر ثم حقق أن العبرة لوجود الهدي في أيام النحر وأنه لا بدلية بين الهدي والحلق حتى يقال وجود الهدي بعد الحلق لا يعتبر لحصول المقصود بالخلف وهو الحلق كما وقع في عدة من المعتبرات إذ لا دخل للحلق قبل وجوده فيها فوجوده فيها يبطل حكم الصوم فيلزمه ذبحه ، وإن تحلل قبله لموجب إطلاق النص ولقول المحققين العبرة لأيام النحر وجودا وعدما للهدي قال الكمال فإن قدر على الهدي في خلال الثلاثة أو بعدها قبل يوم النحر لزمه الهدي وسقط الصوم ; لأنه خلف .

                                                                                        وإذا قدر على الأصل قبل تأدي الحكم بالخلف بطل الخلف ا هـ .

                                                                                        فقد نص على أن الصوم خلف عن الهدي والهدي لا يتحلل به ولا بخلفه بل بالحلق أو التقصير ، وهذا عين الصواب وأما قوله وإن قدر على الهدي بعد الحلق قبل أن يصوم السبعة في أيام الذبح أو بعدها لم يلزمه الهدي ; لأن التحلل قد حصل بالحلق فوجود الأصل بعده لا ينقض الخلف ا هـ .

                                                                                        ففيه تدافع وتقييد لمطلق الكتاب كما تقدم ، وذلك لأنه أفاد أنه يتحلل بالهدي أصلا وبالحلق خلفا فإذا وجد الهدي لا يبطل خلفه الذي هو الحلق على كلامه الأخير ، والصواب كلامه الأول ثم نقل نحوه عن المحيط وغيره ومنها ما في هذا الشرح ونازعهم بما مر وحاصل كلامه وجوب الهدي بوجوده في أيام النحر سواء حلق أو لا ، وأنه لا يسقط الهدي إلا بوجوده بعدها مخالفا لما هو المنصوص عليه في كثير من المعتبرات أقول : لا يخفى عليك أن الواجب [ ص: 388 ] اتباع المنقول ووجهه أن المقصود من الذبح إباحة التحلل بالحلق أو التقصير فإذا عجز عن الذبح جعل الصوم خلفا عنه في إباحة التحلل بالحلق فإذا قدر على الذبح في أيام النحر قبل الحلق ، وجب الذبح لعدم حصول المقصود بالخلف فبطل الخلف كما لو وجد المتيمم الماء قبل الصلاة . أما لو قدر عليه بعد الحلق لا يبطل الصوم كما لو وجد الماء بعد الصلاة لحصول المقصود به ، وهو التحلل بالحلق وحينئذ فحصول الأصل الذي هو الذبح بعد تحقق المقصود الذي هو الحلق أو التقصير لا ينقض الخلف الذي هو الصوم هذا معنى ما في الفتح وغيره وليس في كلام الفتح ولا في غيره جعل الحلق خلفا عن الذبح وقولهم العبرة لأيام النحر يعني قبل حصول المقصود فافهم .

                                                                                        ( قوله ويدل على أنه لو صام في وقته ) انظر ما هذه الدلالة وما وجهها وليس هذا في الفتح بل الذي فيه ولو صام إلخ ( قوله بيان للأفضل ) قال في النهر : وأفاد بقوله آخرها يوم عرفة أن صومها بعده لا يجوز فما في البحر فيه نظر ا هـ .

                                                                                        وأجيب عنه بأن قوله بيان للأفضل راجع إلى تأخير الصوم إلى يوم عرفة لا إلى كونه قبل أيام النحر . ا هـ .

                                                                                        قلت : والذي يظهر أن هذا لم يخف على صاحب النهر حتى يجاب عن نظره به ; لأن عبارة المؤلف صريحة في ذلك ولعل مراده أن المناسب حمل كلام المصنف على بيان ما هو الأهم وهو عدم جواز التأخير ، ويكون حينئذ فيه إشارة إلى ما هو الأفضل لا على بيان الأفضل وترك الأهم كما فعل المؤلف تأمل لكن لا يخفى أن قول المصنف الآتي فإن لم يصم الثلاثة إلى يوم النحر تعين الدم صريح في بيان عدم جواز التأخير فلذا جعل المؤلف قول المصنف هنا آخرها يوم عرفة بيانا للأفضل لئلا يتكرر كلامه فتأمل .

                                                                                        ( قوله بعد الإحرام بالعمرة ) هذا بالنسبة للمتمتع أما القارن فلا بد أن يكون بعد الإحرام بالحج والعمرة فقد ذكر في اللباب من شرائط صحة صيام الثلاثة أن يصومها بعد الإحرام بهما في القارن وبعد إحرام العمرة في المتمتع ا هـ .

                                                                                        لكن هل يشترط صومها في المتمتع حالة وجود الإحرام أم يجوز حال كونه حلالا أي بعدما أحل من إحرام العمرة فيه كلام قال في شرح اللباب ثم اعلم أن كل ما هو شرط في صوم القارن فهو شرط في صوم المتمتع بلا خلاف إلا إحرام الحج فإنه ليس بشرط لصحة صوم المتمتع في ظاهر المذهب على قول الأكثر بل يشترط أن يكون بعد إحرام العمرة فقط فلو صام المتمتع في أشهر الحج بعدما أحرم بالعمرة قبل أن يحرم بالحج جاز إلا أن وجود الإحرام حالة صوم الثلاثة شرط في جواز صوم القران ، وأما صوم التمتع فالأكثر على عدم اشتراط ذلك ففي البدائع وهل يجوز له بعدما أحرم بالعمرة في أشهر الحج قبل أن يحرم بالحج .

                                                                                        قال أصحابنا يجوز سواء طاف لعمرته أو لم يطف ا هـ . وهو ظاهر في هذا المعنى لكن ليس بصريح في المدعى إذ يمكن حمله [ ص: 389 ] على المتمتع الذي ساق الهدي وكذا ما في المدارك وشرح الكنز من أن وقته أشهر الحج بين الإحرامين في حق المتمتع لكنه يوهم أنه لا يصح بعد إحرام الحج وليس كذلك بل بعده هو المستحب أو المتعين ا هـ . ملخصا وتمامه فيه .

                                                                                        ( قوله بل كلامه صواب في الموضعين ) إلخ حاصله أنه يجب عليه عند الإمام ثلاثة دماء دم القران ودم الجناية على الإحرام بالحلق في غير أوانه ودم تأخير الذبح ، ولما كان فرض المسألة هنا فيمن عجز عن الهدي لم يكن جانيا بتأخيره ، وإنما الجناية حصلت بالحلق في غير أوانه فلزمه دم له ودم للقران ، وأما ما في الجنايات فهو في غير العاجز فلزمه دمان ولم يذكر دم الشكر لذكره له هنا لكن لزوم الدمين هناك خلاف المذهب وساغ حمل كلام الهداية عليه لتصحيحه وإخراجه عن الخطإ والسهو هذا وقد يقال إنه إذا لم يكن جانيا بالتأخير لم يكن جانيا أيضا بالحلق في غير أوانه فينبغي أن لا يلزمه إلا دم القران ; لأن العجز عذر ، وقد نقل الشرنبلالي في رسالته عن شرح مختصر الطحاوي للإمام الإسبيجابي ما نصه ولو لم يضم الثلاثة لم يجز الصوم بعد ذلك ، ولا يجزئه إلا الدم فإن لم يجد هديا حل وعليه دم المتعة ولا دم عليه لإحلاله قبل أن يذبح ولا دم عليه لترك الصوم . ا هـ .




                                                                                        الخدمات العلمية