الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله : فإن مات في طريقه يحج عنه من منزله بثلث ما بقي ) هذه العبارة تحتمل شيئين : الأول أن يكون فاعل مات المأمور بالحج فمعنى المسألة أن الوصي إذا أحج رجلا عن الميت فمات الرجل في الطريق فإنه يحج عن الميت الموصي من منزله بثلث ما بقي من المال كله ، وعلى هذا الوجه اقتصر الشارحون مع ما فيه من التعقيد في الضمائر فإن ضمير مات يرجع إلى المأمور وضمير عنه ، ومنزله يرجع إلى الموصي . الثاني أن يكون فاعل مات هو الموصي ، فيتحد مرجع الضمائر ، وهو صحيح فإنه إذا مات بعدما خرج حاجا ، وأوصى بالحج فإنه يحج عنه من منزله بثلث تركته ، ويصدق عليه أنه بثلث ما بقي أي بعد الإنفاق في الطريق .

                                                                                        فالحاصل أن الآمر إما أن يكون حيا وقت الإحجاج أو ميتا فإن كان حيا ، ومات المأمور في الطريق فإنه يحج إنسانا آخر من منزله على كل حال ; لأنه حي يرجع إليه ولهذا لو أمر إنسانا بأن يحج عنه ودفع له مالا فلم تبلغ النفقة من بلده لم يحج عنه من حيث تبلغ كالميت ; لأنه يمكن الرجوع إليه فيحصل الاستدراك بخلاف الميت كذا في الولوالجية ، وإن كان ميتا ، وأوصى بأن يحج عنه فلا يخلو إما أن يكون قد خرج حاجا بنفسه ، ومات في الطريق أو لا ، وفي كل منهما لا يخلو إما إن أطلق الوصية أو عين المال والمكان فإن أوصى بأن يحج عنه ، وأطلق يحج عنه من ثلث ماله ; لأنه بمنزلة التبرعات فإن بلغ ثلثه أن يحج عنه من بلده وجب الإحجاج من بلده ; لأن الواجب عليه الحج من بلده الذي يسكنه ، وكذا إن خرج لغير الحج ، ومات في الطريق ، وأوصى . وأما إذا خرج للحج ، ومات في الطريق ، وأوصى فإنه يحج عنه من بلده عند أبي حنيفة ، وقالا يحج من حيث مات ، وعلى هذا الخلاف المأمور في الحج إذا مات في الطريق فإنه يحج عن الموصي من منزله بثلث ما بقي [ ص: 72 ] من التركة ، وكذا لو مات الثاني أو الثالث إلى أن لا يبقى شيء يمكن أن يحج بثلثه عند أبي حنيفة ، وإن كان للموصي أوطان حج عنه من أقرب أوطانه إلى مكة ; لأنه متيقن به ، وإن لم يكن له وطن فمن حيث مات فلو مات مكي بالكوفة ، وأوصى بحجة حج عنه من مكة .

                                                                                        وإن أوصى بالقران قرن من الكوفة ; لأنه لا يصح من مكة فإن أحج عنه الوصي من غير وطنه مع ما يمكن الإحجاج من وطنه من ثلث ماله فإن الوصي يكون ضامنا ويكون الحج له ويحج عن الميت ثانيا إلا إذا كان المكان الذي أحج منه قريبا إلى وطنه من حيث يبلغ إليه ويرجع إلى الوطن قبل الليل فحينئذ لا يكون ضامنا مخالفا هذا كله إن بلغ ثلث ماله فإن لم يبلغ الإحجاج من بلده حج عنه من حيث يبلغ استحسانا ، وإن بلغ الثلث أن يحج عنه راكبا فأحج عنه ماشيا لم يجز ، وإن لم يبلغ إلا ماشيا من بلده قال محمد : يحج عنه من حيث بلغ راكبا ، وعن أبي حنيفة أنه مخير بين أن يحج عنه من بلده ماشيا أو راكبا من حيث تبلغ هذا إذا أطلق ، وأما إذا عين مكانا اتبع ; لأن الإحجاج لا يجب بدون الوصية فيجب بمقدارها ، وهذا كله إذا كان الثلث يكفي لحجة واحدة فإن كان يكفي لحجج فهو على ثلاثة أقسام إما أن يعين حجة واحدة أو يطلق أو يعين في كل سنة حجة ففي الأول يحج عنه واحدة ، وما فضل فهو لورثته ، وفي الثاني خير الوصي إن شاء أحج عنه في كل سنة حجة ، وإن شاء أحج عنه في سنة واحدة حججا ، وهو الأفضل ; لأنه تعجيل تنفيذ الوصية ; لأنه ربما هلك المال ، وفي الثالث كالثاني ، ولم يذكر في الأصل ; لأن شرط التفريق لا يفيد فصار كالإطلاق كما لو أمر الموصي رجلا بالحج في هذه السنة فأخره المأمور إلى القابل فإنه يجوز عن الميت ، ولا يضمن النفقة ; لأن ذكر السنة للاستعجال لا للتقييد ، ولو أوصى بأن يحج عنه بثلث ماله أو أطلق فهلكت النفقة في يد المأمور قال أبو حنيفة : يحج عنه بثلث ماله ، وقال أبو يوسف بما بقي من ثلث ماله ، وأبطله محمد .

                                                                                        وهذا كله إذا لم يعين الموصي قدرا فإن عين قدرا من المال فإن بلغ ذلك أن يحج عنه من بلده وجب ، وإلا فمن حيث يبلغ ، ولو عين أكثر من الثلث يحج عنه بالثلث من حيث يبلغ بخلاف الوصية بشراء عبد بأكثر من الثلث ، وإعتاقه عنه فإنها باطلة ; لأن في العتق لا يجوز النقصان عن المسمى كذا في المحيط وغيره وذكر الولوالجي في فتاواه لو أوصى بأن يحج عنه من ثلث ماله ، ولم يقل حجة حج عنه من جميع الثلث ; لأنه أوصى بصرف جميع الثلث إلى الحج ; لأن كلمة من للتمييز عن أصل المال ، ولو دفع الوصي الدراهم إلى رجل ليحج عن الميت فأراد أن يسترد كان له ذلك ما لم يحرم ; لأن المال أمانة في يده فإن استرده فنفقته إلى بلده على من تكون إن استرد بجناية ظهرت منه فالنفقة في ماله خاصة ، وإن استرد لا بجناية ، ولا تهمة فالنفقة على الوصي في ماله خاصة ، وإن استرد لضعف رأي فيه أو لجهله بأمور المناسك فأراد الدفع إلى أصلح منه فنفقته في مال الميت ; لأنه استرد لمنفعة الميت . ا هـ .

                                                                                        وفي فتح القدير لو أوصى أن يحج عنه ، ولم يزد على ذلك كان للوصي أن يحج بنفسه إلا أن يكون وارثا ، وإن دفعه إلى وارث ليحج فإنه لا يجوز إلا أن تجيز الورثة ، وهم كبار ; لأن هذا كالتبرع بالمال فلا يصح للوارث إلا بإجازة الباقين ، ولو قال الميت للوصي : ادفع المال لمن يحج عنه لم يجز له أن يحج بنفسه مطلقا ، وفي الظهيرية ، ولو كان ثلث ماله قدر ما لا يمكن الإحجاج عنه بطلت الوصية ، وفي التجنيس رجل أوصى بأن يحج عنه فحج عنه ابنه ليرجع في التركة فإنه يجوز كالدين إذا قضاه من مال نفسه ، ولو حج على أن لا يرجع فإنه لا يجوز عن الميت ; لأنه لم يحصل مقصود الميت ، وهو ثواب الإنفاق ، وعلى هذا الزكاة والكفارة ، ومثله لو قضى عنه دينه متطوعا جاز ; لأن الحج عن الكبير العاجز بغير أمره لا يجوز ، وقضاء الدين بغير أمره في حالة الحياة يجوز فكذا بعد الموت .

                                                                                        رجل مات ، وعليه حجة الإسلام فحج عنه رجل بإذنه ، ولم ينو لا فرضا [ ص: 73 ] ولا نفلا فإنه يجوز عن حجة الإسلام ، ولو نوى تطوعا لا يجوز عن حجة الإسلام . ا هـ .

                                                                                        وفي عمدة الفتاوى للصدر الشهيد لو قال : حجوا من ثلثي حجتين يكتفى بواحدة والباقي للورثة إن فضل . ا هـ .

                                                                                        وهو مشكل على ما تقدم من المحيط والولوالجية ، وهو مبني على الفرق بين أن يوصي من الثلث وبين أن يوصي بجميع الثلث وذكر في آخر العمدة من الوصايا لو أوصى بأن يحج عنه بالألف من ماله فأحج الوصي من مال نفسه ليرجع ليس له ذلك ; لأن الوصية باللفظ فيعتبر لفظ الموصي ، وهو أضاف المال إلى نفسه فلا يبدل . ا هـ .

                                                                                        وفي العدة امرأة تركت مهرها على الزوج ليحج بها وحج بها فعليه المهر ; لأنه بمنزلة الرشوة ، وهي حرام ا هـ .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        ( قوله : ويصدق عليه أنه بثلث ما بقي إلخ ) قال في النهر لا يخفى أن المتبادر من ثلث ما بقي يعني من التركة على أن المصنف رمز على صحة الخلاف بقوله من منزله وبثلث ما بقي ، وعلى ما ادعى لا خلاف أنه يحج عنه بثلث تركته . ا هـ .

                                                                                        والمراد بالخلاف ما سنذكره عن الفتح . ( قوله : وعلى هذا الخلاف المأمور بالحج إلخ ) أي يحج عنه من منزله عنده ، وعندهما من حيث مات ثم عنده يحج عنه من ثلث ما بقي وقال محمد ينظر إن بقي من المدفوع شيء حج به ، وإلا بطلت الوصية ، وقال أبو يوسف إن كان المدفوع تمام الثلث كقول محمد ، وإن كان بعضه يكمل فإذا بلغ باقيه ما يحج به ، وإلا بطلت مثلا كان المخلف أربعة آلاف دفع الوصية ألفا فهلكت يدفع إليه ما يكفيه من ثلث الباقي أو كله ، وهو ألف فإن هلكت الثانية دفع إليه من ثلث الباقي بعدها هكذا مرة بعد مرة إلى أن لا يبقى ما ثلثه يبلغ الحج فيبطل ، وعند أبي يوسف يأخذ ثلثمائة وثلاثة وثلاثين وثلثا فإنها مع تلك الألف ثلث الأربعة الآلاف فإن كفت ، وإلا بطلت الوصية ، وعند محمد إن فضل من الألف الأولى ما يبلغ ، وإلا بطلت [ ص: 72 ] فالخلاف في موضعين فيما يدفع ثانيا ، وفي المحل الذي يجب الإحجاج منه ثانيا وتمامه في الفتح .

                                                                                        ( قوله : فهلكت النفقة إلخ ) قال في الخانية ، ولو ضاع مال النفقة بمكة أو بقرب منها أو لم يبق مال النفقة فأنفق المأمور من مال نفسه كان له أن يرجع في مال الميت ، وإن فعل ذلك بغير قضاء ; لأنه لما أمره بالحج فقد أمره بأن ينفق عنه ( قوله : فحج عنه ابنه ليرجع في التركة فإنه يجوز ) ، وكذا لو أحج الوارث رجلا من مال نفسه ليرجع كما في الخانية ولينظر لم جاز في هاتين المسألتين حج الوارث وإحجاجه ، ولم يجز حجه في المسألة المارة قريبا عن الفتح إلا بإجازة الورثة ؟ . اللهم إلا أن يقال : ما هنا محمول على ما إذا لم يكن وارث غيره ( قوله : ولو حج على أن لا يرجع فإنه لا يجوز ) كذا في الخانية حيث قال : الميت إذا أوصى بأن يحج عنه بماله فتبرع عنه الوارث أو الأجنبي لا يجوز . ا هـ .

                                                                                        لكن قال بعده : ولو أوصى [ ص: 73 ] بأن يحج عنه فأحج الوارث من مال نفسه لا ليرجع عليه جاز للميت عن حجة الإسلام فقد فرق في مسألة عدم الرجوع بين ما إذا حج بنفسه وبين ما إذا أحج غيره عن الميت ، ولم يذكر وجه الفرق فلينظر نعم قد يفرق بأنه في الأولى أوصى بأن يحج بماله دون الثانية لكن ليس في كلام التجنيس والخانية ذلك .




                                                                                        الخدمات العلمية