الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله : أنت طالق إن شئت فقالت شئت إن شئت فقال شئت ينوي الطلاق أو قالت شئت إن كان كذا لمعدوم بطل ) لأنه علق الطلاق بمشيئتها المنجزة وهي أتت بالمعلقة فلم يوجد الشرط قيد بقوله فقالت شئت مقتصرة عليه لأنها لو قالت شئت طلاقي إن شئت فقال شئت ناويا الطلاق وقع لكونه شائيا طلاقها لفظا بخلاف ما إذا لم تذكر الطلاق لأن المشيئة ليس فيها ذكر للطلاق ولا عبرة بالنية بلا لفظ صالح للإيقاع كاسقني ناويا الطلاق ويستفاد منه أنه لو قال : شئت طلاقك يقع بالنية لأن المشيئة تنبئ عن الوجود لأنها من الشيء وهو الموجود بخلاف أردت طلاقك لأنه لا ينبئ عن الموجود بل هو طلب النفس الوجود عن ميل فقد أثبت الفقهاء بين المشيئة ، والإرادة فرقا في صفات العبد ، وإن كانا مترادفين في صفات الله تعالى كما هو اللغة فيهما مطلقا فلا يدخلهما وجود أي لا يكون الوجود جزء مفهوم أحدهما غير أن ما شاء الله كان وكذا ما أراده لأن تخلف المراد إنما يكون لعجز المريد لا لذات الإرادة لأنها ليست المؤثرة للوجود لأن ذلك خاصة القدرة بل بمعنى أنها المخصصة للمقدور المعلوم وجوده بالوقت ، والكيفية ثم القدرة تؤثر على وفق الإرادة غير أنه لا يتخلف شيء عن مراده تعالى لما قلنا في المشيئة بخلاف العباد وعن هذا لو قال أراد الله طلاقك ينويه يقع كما قال شاء الله بخلاف أحب الله طلاقك أو رضيه لا يقع لأنهما لا يستلزمان منه تعالى الوجود وأحببت طلاقك ورضيته مثل أردته .

                                                                                        والحاصل أن الفرق بين المشيئة ، والإرادة في صفات العباد مبني على العرف العام فإن فيه الوجود ، والمشيئة منه ولما كان محتمل اللفظ توقف على النية فلزم الوجود فيها فإذا قال شئت كذا في التخاطب العرفي فمعناه أوجدته عن اختيار بخلاف أردت كذا مجردا يفيد عرفا عدم الوجود كذا في فتح القدير ، وفي المعراج وإنما يشترط النية مع ذكر الطلاق صريحا لأنه قد يقصد وجوده وقوعا وقد يقصد وجوده ملكا فلا بد من النية لتعيين جهة الوجود وقوعا .

                                                                                        وفي المحيط لو قال شئت طلاقك ذكر في شرح شيخ الإسلام أنه يقع الطلاق بلا نية الإيقاع ا هـ .

                                                                                        ولو قال شيئي طلاقك ناويا الطلاق فقالت شئت وقع ، ولو قال أريديه أو أحبيه أو اهويه أو ارضيه ناويا فأجابته لا يقع لأنها عبارة عن الطلب فلا يستلزم الوجود بخلاف المعلق على إرادتها ونحوه إذا وجد الشرط يقع ، وإن لم ينو وتمامه في فتح القدير وهو سهو لأن التوقف على النية في قوله شيئي الطلاق لأنه لم يضف الطلاق إليها فيحتمل تفويض طلاق غيرها وأما شيئي طلاقك فإنه يقع بلا نية لأنه بمعنى أوجدي طلاقك كذا في المحيط وذكر في المواقف إن الإرادة عند أصحابنا صفة ثالثة مغايرة للعلم ، والقدرة توجب تخصيص أحد المقدورين بالوقوع ا هـ .

                                                                                        وفي المحيط لو قال لها أنت طالق إن أحببت فقالت شئت وقع لأن فيها معنى المحبة وزيادة .

                                                                                        ولو قال إن شئت فقالت أحببت لا يقع لأنه ليس فيها معنى الإيجاد فلم توجد المشيئة ، ولو قال إن شئت فأنت طالق فقالت نعم أو قبلت أو رضيت لا يقع لأنه علق الطلاق بمشيئتها لفظا وذلك ليس بمشيئة فلم يوجد الشرط ولم يذكر في الكتاب ما لو قال أنت طالق إن قبلت فقالت شئت حكي عن الفقيه أبي بكر البلخي أنه يقع الطلاق لأنها أتت بالقبول وزيادة فكان بمنزلة ما لو كان [ ص: 365 ] معلقا بالمحبة فقالت شئت وذكر هشام في نوادره لو قال أنت طالق على ألف إن شئت لم يقع حتى تقبل بخلاف قوله قبلت لأن هذه معاوضة ، والمعاوضة لا تتم إلا بالقبول ا هـ .

                                                                                        وحاصله أن القبول لا يكفي عن المشيئة إلا في الطلاق على مال ولم أر حكم ما إذا علقه بالإرادة فأجابت بالمحبة أو عكسه أو بالرضا ، وفي شرح المسابرة الرضا ترك الاعتراض على الشيء لإرادة وقوعه ، والمحبة إرادة خاصة وهي ما لا يتبعها تبعة ومؤاخذة ، والإرادة أعم فهي منفكة عنها فيما إذا تعلقت بما يتبعه تبعة ا هـ .

                                                                                        ولم يصرح المصنف بالتقييد بالمجلس للعلم به من حكم " متى " وأخواتها فإنه لما لم يتقيد فيها تقيد في " إن " " ولا بد " من مشيئتها في مجلسها في التعليق بالمشيئة ، والمحبة ، والرضا ، والإرادة وكل ما هو من المعاني التي لا يطلع عليها غيرها كما في المحيط ولم يذكر المصنف المشيئة المضافة وحاصل ما في المحيط أن المشيئة إن تأخرت عن الوقت كأنت طالق غدا إن شئت فإن المشيئة لها في الغد فقط ، وإن قدم المشيئة كإن شئت فأنت طالق غدا ذكر في الزيادات أن لها المشيئة في الحال وعن أبي يوسف أن لها المشيئة في الغد فلو قال : إن تزوجت فلانة فهي طالق إن شاءت فتزوجها فلها المشيئة في مجلس العلم ، ولو قال : أنت طالق أمس إن شئت فلها المشيئة في الحال ا هـ .

                                                                                        وفي المعراج : لو قال لها إن شئت فأنت طالق ثم قال لأخرى طلاقك مع طلاق هذه فشاءت طلقت وينوي في الأخرى لاحتمال أنه أراد امرأته معها في أن كلا منهما مملوك له لا المعية في الوقوع كذا في المعراج ، وفيه لو قال لها : أخرجي إن شئت ينوي الطلاق فشاءت طلقت ، وإن لم تخرج وأشار بقوله شئت إن شئت إلى كل مشيئة معلقة بمشيئة غيرها ، ولو كان الطلاق معلقا على مشيئة ذلك الغير أيضا لما في المحيط : لو قال أنت طالق إن شئت وشاء فلان فقالت قد شئت إن شاء فلان وقال فلان شئت لا يقع لأنه علق الطلاق بمشيئة مرسلة منجزة منها وهي أتت بمشيئة معلقة فبطلت مشيئتها وبمشيئة فلان وجد بعض الشرط فلا يقع به الطلاق ا هـ .

                                                                                        ولم يذكر المصنف رحمه الله ما إذا علقه بمشيئتها وعدم مشيئتها أو بمشيئتها وإبائها أو بأحدهما وحاصل ما في المحيط أنه إن جعل المشيئة ، والإباء شرطا واحدا وكذا المشيئة وعدمها فإنها لا تطلق أبدا للتعذر كأنت طالق إن شئت وأبيت أو إن شئت ولم تشائي ، وإن كرر " إن " وقدم الجزاء كأنت طالق إن شئت ، وإن لم تشائي فشاءت في مجلسها طلقت ، وإن قامت من غير مشيئة تطلق أيضا لأنه جعل كلا منهما شرطا على حدة كقوله أنت طالق إن دخلت الدار ، وإن لم تدخلي فأيهما وجد طلقت ، وإن أخر الجزاء كإن شئت ، وإن لم تشائي فأنت طالق لا تطلق بهذا أبدا لأنه مع التأخير صارا كشرط واحد وتعذر اجتماعهما بخلاف ما إذا أمكن اجتماعهما فإنها لا تطلق حتى يوجدا نحو : إن أكلت ، وإن شربت فأنت طالق ، وإن كرر إن وأحدهما المشيئة ، والآخر الإباء كأنت طالق إن شئت ، وإن أبيت فإن شاءت وقع ، وإن أبت وقع ، وإن سكتت حتى قامت عن المجلس لا يقع لأن كلا منهما شرط على حدة ، والإباء فعل كالمشيئة فأيهما وجد يقع ، وإن انعدما لا يقع وكذا لو لم يكرر إن وعطف بأو كأنت طالق إن شئت أو أبيت لأنه علق الطلاق بأحدهما ، ولو قال : إن شئت فأنت طالق ، وإن لم تشائي فأنت طالق طلقت للحال ، ولو قال : إن كنت تحبين الطلاق فأنت طالق ، وإن كنت تبغضين فأنت طالق لا تطلق ، والفرق أنه يجوز أن لا تحب ولا تبغض فلم يتيقن بشرط وقوع الطلاق فإما لا يجوز أن تشاء أو لا تشاء فيكون أحد الشرطين ثابتا لا محالة فوقع ، ولو قال أنت طالق إن أبيت أو كرهت طلاقك فقالت أبيت تطلق .

                                                                                        ولو قال إن لم تشائي طلاقك فأنت طالق ثم قالت لا أشاء لا تطلق لأن قوله أبيت صيغة لإيجاد الفعل وهو الإباء فقد علق بالإباء منها ، وقد وجد فوقع فأما قوله : إن لم تشائي صيغة للعدم لا للإيجاد فصار بمنزلة قوله إن لم تدخلي الدار فأنت طالق [ ص: 366 ] وعدم المشيئة لا يتحقق بقولها لا أشاء لأن لها أن تشاء من بعد إنما يتحقق بالموت ا هـ .

                                                                                        واعلم أن العبارات اختلفت في قوله إن شئت وأبيت بدون تكرار إن فنقل في الواقعات عن علامة النوازل كما نقلناه عن المحيط أنها لا تطلق أبدا ونقل قبله أن الصواب أنه لا يقع حتى يوجد المشيئة ، والإباء إلا أن يعني الوقوع في الحال وذكر قبله أنها إن شاءت يقع ، وإن أبت يقع كما لو كرر إن فحاصله أن فيها ثلاثة أقوال ، والصواب أنه لا يقع حتى يوجد أو يفرق بين إن شئت ، وإن لم تشائي حيث لا يقع وبين إن شئت وأبيت حيث يقع إذا وجدا وأشار بتعليق الطلاق بمشيئتها إلى صحة تعليق عدد الطلاق بمشيئتها أيضا فلذا قال في الذخيرة لو قال لها أنت طالق ثلاثا إلا أن تشائي واحدة ، وإن شاءت واحدة قبل أن تقوم من مجلسها لزمتها واحدة ، وكذا لو قال إلا أن يشاء فلان واحدة ، وإن لم يكن فلان حاضرا فله ذلك في مجلس علمه وكذا لو قال أنت طالق ثلاثا إلا أن يرى فلان غير ذلك تقيد بالمجلس وكذا لو قال إن لم ير فلان غير ذلك وكذا لو قال إن رأى فلان ذلك فإنه يتقيد بالمجلس ا هـ .

                                                                                        ولم يذكر المصنف كأكثر المؤلفين ما لو علقه بمشيئة نفسه وذكره في الذخيرة فقال لو قال أنت طالق ثلاثا إلا أن أرى غير ذلك فهذا لا يقتصر على المجلس حتى لو قال بعدما قام عن المجلس رأيت غير ذلك لا يقع الثلاث وكذلك لو قال إلا أن أشاء أنا غير ذلك فهذا لا يقتصر على المجلس ، ولو قال لامرأته : أنت طالق إن شاء فلان أو إن أحب أو إن رضي أو إن هوى أو إن أراد فبلغ فلانا فله مجلس علمه بخلاف ما لو قال إن شئت أنا أو إن أحببت أنا لا يقتصر على المجلس ، والفرق أن قضية القياس في الأجنبي أن لا يقتصر على المجلس كسائر الشروط لكن تركنا القياس في الأجنبي لأنه تمليك معنى وجواب التمليك يقتصر على المجلس وهذا المعنى لا يتأتى في حق الزوج لأن الزوج كان مالكا للطلاق قبل هذا فلا يتأتى منه التمليك فبقي هذا الشرط في حق الزوج ملحقا بسائر الشروط فلم يقتصر على المجلس في حق الزوج وإذا قال إن شئت أنا فالزوج كيف يقول حتى يقع الطلاق لم يذكر محمد هذه المسألة في شيء من الكتب .

                                                                                        وقال مشايخنا ينبغي أن يقول شئت الذي جعلته إلي ولا يشترط نية الطلاق عند قوله شئت ولا يشترط أن يقول شئت طلاقك لأن الطلاق لا يقع بقوله شئت وإنما يقع بالكلام السابق لأن الطلاق بالكلام السابق معلق بمشيئة اعتبرت شرطا محضا فعند قوله شئت يقع الطلاق بالكلام السابق .

                                                                                        والحاصل أن تعليق الزوج طلاق المرأة بصفة من صفات قلب نفسه ليس بتفويض وتمليك بوجه من الوجوه ، ولو قال لها أنت طالق إن لم يشأ فلان فقال فلان لا أشاء في المجلس طلقت ، ولو قال ذلك لنفسه ثم قال لا أشاء لا تطلق ، والفرق أن بقول الأجنبي لا أشاء يقع اليأس عن شرط البر وهو مشيئة طلاقها في المجلس ، وقد تبدل من حيث الحكم ، والاعتبار بقوله لا أشاء لا اشتغاله بما لا يحتاج إليه في الإيقاع فإنه يكفيه في الإيقاع السكوت عن المشيئة حتى يقوم عن المجلس أما بقول الزوج لا أشاء لا يقع اليأس عما هو شرط البر لأن المجلس ، وإن تبدل من حيث الحكم إلا أن شرط البر في حق الزوج عدم المشيئة في العمر ، والعمر باق فلهذا لا يقع الطلاق ا هـ .

                                                                                        وفي الجامع للصدر الشهيد قال أنت طالق إن شاء فلان أو أراد أو رضي أو هوى فيقتصر على مجلس علمه لأنه تمليك بخلاف إضافته إلى نفسه ، ولو قال إن لم يشأ أو إن لم يرد فقام من مجلسه أو قال فيه لا أشاء طلقت بخلاف إن لم يشأ اليوم ، ولو قال إن لم أشأ إن لم أرد فقام أو قال لا أشاء لا تطلق قبل موته بخلاف إن أبيت طلاقك أو كرهت ا هـ .

                                                                                        وفي الخانية : أنت طالق ثلاثا وفلانة واحدة إن شئت فشاءت واحدة وزببت طلقت فلانة واحدة ويبطل عنها الثلاث ا هـ .

                                                                                        وأطلق البطلان فأفاد عدم وقوع الطلاق وأن الأمر خرج من يدها لاشتغالها بما لا يعنيها .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        ( قوله : فإن فيه الوجود ) كذا في النسخ ، والظاهر أن فيه تحريفا ، والأصل فإنه فيه الموجود أي فإن الشيء في العرف هو الموجود ، والمشيئة مأخوذة منه فتنبئ عن الوجود وعبارة الفتح فتوجيهه أن يعتبر العرف فيه يعني يكون العرف العام أن الشيء الموجود ، والمشيئة منه ( قوله : وهو سهو . . . إلخ ) قال الرملي ليس بسهو لأنه لا بد في المشيئة من النية كما ذكره الزيلعي لأنه المشيئة ، وإن كانت تنبئ عن الوجود إلا أنه لا بد فيه من النية لأنه قد يقصد وجوده وقوعا ، وقد يقصد وجوده ملكا إذ لا يقع بالشك ، وفي قوله شيئي طلاقك يحتمل أوجديه ملكا فكيف يحكم عليه [ ص: 365 ] بالسهو بما في المحيط وهو قول آخر ، وقد قدم أنه يستفاد منه أنه لو قال شئت طلاقك يقع بالنية .

                                                                                        والحاصل أن في المسألة روايتين فلا يحكم بالسهو على من تكلم مفرعا على أحدهما تأمل ( قوله : ولم يصرح المصنف بالتقييد بالمجلس . . . إلخ ) محل هذا بعد قوله : وإن كان لشيء مضى طلقت إذ لا يقع شيء بما قدمه من المتن فلا فرق بين ما يكون في المجلس أو في غيره تأمل .




                                                                                        الخدمات العلمية