الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( كتاب الأيمان ) .

                                                                                        مناسبتها للعتاق من حيث إن كلا منهما لا يؤثر فيه الهزل والإكراه كالطلاق وقدم العتاق عليه لقربه من الطلاق لاشتراكهما في الإسقاط .

                                                                                        والأيمان جمع يمين وهي في اللغة مشتركة بين الجارحة والقسم والقوة قالوا : إنما سمي القسم يمينا لوجهين : أحدهما أن اليمين هي القوة والحالف يتقوى بالقسم على الحمل أو المنع . والثاني أنهم كانوا يتماسكون بأيديهم عند القسم فسميت بذلك وهذا يفيد أن لفظ اليمين لفظ منقول ، ومفهومه - لغة - جملة أولى إنشائية صريحة الجزأين يؤكد بها جملة بعدها خبرية فخرج بقيد " أولى " نحو زيد قائم زيد قائم فإن الأولى هي المؤكدة بالثانية من التوكيد اللفظي على عكس اليمين ، وشمل الجملة الفعلية ك حلفت بالله لأفعلن ، أو أحلف ، والاسمية سواء كانت مقدمة الخبر كعلي عهد الله ، أو مؤخرته نحو لعمرك لأفعلن ، وأسماء هذا المعنى التوكيدي ستة : الحلف والقسم والعهد والميثاق والإيلاء واليمين وخرج بقيد الإنشائية نحو تعليق الطلاق والعتاق فإن الأولى ليست إنشائية فليست التعاليق أيمانا حقيقة .

                                                                                        وأما مفهومه الاصطلاحي فجملة أولى إنشائية يقسم فيها باسم الله تعالى أو صفته يؤكد بها مضمون ثانية في نفس السامع ظاهرا ، أو يحمل المتكلم على تحقيق معناها - فدخلت بقيد الظهور الغموس - ، أو التزام مكروه كفر ، أو زوال ملك على تقدير ليمنع عنه ، أو محبوب ليحمل عليه فدخلت التعليقات مثل إن فعل فهو يهودي ، وإن دخلت فأنت طالق بضم التاء لمنع نفسه وبكسرها لمنعها وإن بشرتني فأنت حر كذا في فتح القدير وعرفها في الكافي بأنها عبارة عن تحقيق ما قصده من البر في المستقبل نفيا ، أو إثباتا وعرفها في التبيين بأنها عقد قوي به عزم الحالف على الفعل ، أو الترك وفي شرح النقاية بأنها تقوي الخبر بذكر الله تعالى أو بالتعليق وظاهر ما في البدائع أن التعليق يمين في اللغة أيضا قال ; لأن محمدا أطلق عليه يمينا ، وقوله : حجة في اللغة وذكر أن فائدة الاختلاف تظهر فيمن حلف لا يحلف ، ثم حلف بالطلاق أو العتاق فعند العامة يحنث وعند أصحاب الظواهر لا يحنث .

                                                                                        وركنها اللفظ المستعمل فيها وشرطها العقل والبلوغ [ ص: 301 ] والإسلام ومن زاد الحرية كالشمني فقد سها ; لأن العبد ينعقد يمينه ويكفر بالصوم كما صرحوا به وزاد في المحيط ثالثا : وهو كون الخبر المضاف إليه اليمين محتملا للصدق والكذب متمثلا بين البر والهتك فيتحقق حكمه وهو وجوب البر ا هـ .

                                                                                        وهو صحيح لما سيأتي أن إمكان البر شرط لانعقادها عندهما خلافا لأبي يوسف كما في مسألة الكوز ، وسببها الغائي تارة إيقاع صدقه في نفس السامع وتارة حمل نفسه أو غيره على الفعل ، أو الترك وحكمها شيئان وجوب البر بتحقق الصدق في نفس اليمين والثاني وجوب الكفارة بالحنث كذا في المحيط وهو بيان لبعض أحكامها فإنه سيأتي أن البر يكون واجبا ومندوبا وحراما وأن الحنث يكون واجبا ومندوبا ، وفي المحيط والأفضل في اليمين بالله تعالى تقليلها ; لأن في تكثير اليمين المضافة إلى الماضي نسبة نفسه إلى الكذب ، وفي تكثير اليمين المضافة إلى المستقبل تعريض اسم الله تعالى للهتك ، واليمين بغيره تعالى مكروه عند البعض للحديث { لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت من كان حالفا فليحلف بالله ، أو ليذر } وقال بعضهم إذا أضيف إلى الماضي يكره ، وإذا أضيف إلى المستقبل لا يكره وهو الأحسن لما روى { أنه عليه الصلاة والسلام لما لاعن بين العجلاني وبين امرأته قال العجلاني إن أمسكتها فهي طالق ثلاثا ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم } إلى آخره ، وفي التبيين لا تكره عند العامة ، وفي الولوالجية من أراد أن يحلف بالله تعالى فقال خصمه لا أريد الحلف بالله تعالى يخشى عليه الكفر ا هـ .

                                                                                        [ ص: 300 ]

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        [ ص: 300 ] ( كتاب الأيمان ) .

                                                                                        ( قوله : فخرج بقيد " أولى " إلخ ) عبارة الفتح وترك لفظ " أولى " يصيره غير مانع لدخول نحو زيد قائم زيد قائم وهو على عكسه فإن الأولى هي المؤكدة بالثانية من التوكيد اللفظي قال في النهر وأقول : فيه بحث أما أولا فلأن هذا إنما يتم على أن الجملة الثانية المؤكدة إنشائية ، وهو ممنوع وأما ثانيا بتقدير التسليم فقد خرج بقوله بعدها فتدبر . ( قوله : أو التزام مكروه ) برفع " التزام " عطفا على " جملة " . [ ص: 301 ] ( قوله : وزاد في المحيط ثالثا ) الأولى أن يقول رابعا وكأنه سماه ثالثا نظرا إلى أن العقل والبلوغ بمعنى التكليف فهما في المعنى شرط واحد .

                                                                                        ( قوله : واليمين بغير الله تعالى مكروهة ) هذا بعمومه شامل لما فيه حرف القسم وما ليس فيه كالتعليق بالطلاق والعتاق ، وظاهر ما سيأتي قريبا من قوله ، وفي التبيين : لا تكره عند العامة شامل للنوعين لكن في الفتح ما يفيد تخصيصه بالتعليق حيث قال : ثم قيل يكره الحلف بالطلاق والعتاق لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم { من كان حالفا فليحلف بالله } الحديث والأكثر على أنه لا يكره لأنه لمنع نفسه ، أو غيره ومحمل الحديث غير التعليق مما هو بحرف القسم ا هـ .

                                                                                        وهو موافق لما سيأتي عن تتمة الفتاوى قال علي الرازي : أخاف على من قال بحياتي وحياتك أنه يكفر ثم راجعت عبارة التبيين فوجدتها تفيد ما قلنا ونصها واليمين بغير الله تعالى أيضا مشروع وهو تعليق الجزاء بالشرط وهو ليس بيمين وضعا ، وإنما سمي يمينا عند الفقهاء لحصول معنى اليمين بالله تعالى وهو الحمل ، أو المنع ، واليمين بالله تعالى لا تكره ، وتقليله أولى من تكثيره واليمين بغيره مكروهة عند البعض للنهي الوارد فيه وعند عامتهم لا تكره ; لأنه يحصل بها الوثيقة لا سيما في زماننا وما روي من النهي محمول على الحلف بغير الله تعالى لا على وجه الوثيقة كقولهم : وأبيك ولعمري ونحوه انتهت . أي فإن قوله وأبيك ولعمري لا يفيد الوثيقة فإنه لا يلزم الحالف به شيء بخلاف التعليق بالطلاق ونحوه فإنه يفيد الوثيقة فإن الحالف إذا حنث يلزمه الطلاق ونحوه فتثق بمن حلف لك به تأمل لكن سيذكر المصنف من جملة ألفاظ اليمين المنعقدة قوله : لعمر الله وحينئذ فيلزمه بالحنث الكفارة مثل قوله والله فيفيد الوثيقة إلا أن يفرق بين لعمري ولعمر الله فليتأمل وذكر القهستاني أن قول المصنف لعمر الله للاحتراز عن قولنا لعمر فلان ; لأنه لا يجوز أن يحلف بغيره تعالى ، وإذا حلف ليس له أن يبر بل يجب أن يحنث فإن البر فيه كفر عند بعضهم كما في كفاية الشعبي ا هـ .

                                                                                        لكن في القاموس وجاء في الحديث النهي عن قول لعمر الله ا هـ .

                                                                                        وانظر ما في أوائل حاشية المطول لحسن جلبي : والحاصل أن اليمين بغير الله تعالى إن كان مما تحصل به الوثيقة يكره عند البعض وعند عامة العلماء لا يكره وذلك كالتعليق بالطلاق والعتاق والحج ونحو ذلك إذ ليس فيه تعظيم غير الله تعالى وأما ما لا تحصل به الوثيقة مثل وأبيك وحياتك فالظاهر من كلامهم أنه لا خلاف في كراهته للنهي الصريح عن الحلف بالآباء ولأنه يوهم مشاركة المقسم به لله تعالى في التعظيم وأما إقسامه سبحانه وتعالى بغيره كالضحى والنجم والليل ونحو ذلك فقالوا : إنه مختص به تعالى إذ له أن يعظم ما شاء وليس لنا ذلك بعد نهينا عنه . .




                                                                                        الخدمات العلمية