الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله : وكفارته تحرير رقبة ، أو إطعام عشرة مساكين كما في الظهار ، أو كسوتهم بما يستر عامة البدن ) أيوكفارة اليمين بمعنى القسم أو الحلف لما قدمنا أنها مؤنثة ، والأصل في ذلك قوله تعالى { فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم ، أو تحرير رقبة } وكلمة " أو " للتخيير فكان الواجب أحد الأشياء الثلاثة والتخيير لا ينافي التكليف ; لأن صحته بإمكان الامتثال وهو ثابت ; لأنه بفعل أحدها يبطل قول من قال إن التخيير يمنع صحة التكليف فأوجب خصال الكفارة مع السقوط بالبعض كما أشار إليه في التحرير ، وفي شرح المنار لو أدى الكل لا يقع عن الكفارة إلا واحد وهو ما كان أعلى قيمة ولو ترك الكل يعاقب على واحد منها وهو ما كان أدنى قيمة ; لأن الفرض يسقط بالأدنى ، وهي من الكفر بمعنى الستر ، وإضافتها إلى اليمين إضافة إلى الشرط مجازا لأن السبب عندنا الحنث كما سيأتي وعبر بالتحرير بمعنى الإعتاق دون العتق اتباعا للآية وليفيد أن الشرط الإعتاق فلو ورث من يعتق عليه فنوى عن الكفارة لا يجوز وأفاد بقوله كما في الظهار أي التحرير والإطعام هنا كالتحرير والإطعام في كفارة الظهار أنه يجوز الرقبة مسلمة كانت أو كافرة ذكرا كان ، أو أنثى صغيرة كانت ، أو كبيرة ولا يجوز فائت جنس المنفعة ولا المدبر وأم الولد ولا المكاتب الذي أدى بعض شيء ويجوز في الإطعام التمليك والإباحة فإن ملك أعطى نصف صاع من بر ، أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير لكل مسكين ، وإن أباح غداهم وعشاهم فإن كان بخبز البر لا يحتاج إلى الإدام وإن كان بغير خبز البر احتاج إليه على التفاصيل المتقدمة في كفارة الظهار ، وفي الخلاصة لو أعطى عشرة مساكين كل مسكين ألف من من الحنطة عن كفارة الأيمان لا يجوز إلا عن كفارة واحدة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وكذا في كفارة الظهار ، وفي نسخة الإمام السرخسي لو أطعم خمسة مساكين وكسا خمسة مساكين أجزأه ذلك عن الطعام إن كان الطعام أرخص من الكسوة ، وعلى القلب لا يجوز وهذا في طعام الإباحة أما إذا ملك الطعام فيجوز ويقوم مقام الكسوة ولو أدى إلى مسكين مدا من حنطة ونصف صاع من شعير يجوز ا هـ .

                                                                                        وخرج السراويل بقوله بما يستر عامة البدن وصححه في الهداية ; لأن لابسه يسمى عريانا في العرف ولذا قال في الخانية لو حلف لا يلبس ثوبا من غزل فلانة فلبس من غزلها سراويل لم يحنث في يمينه لكن ما لا يجزئه عن الكسوة يجزئه عن الطعام باعتبار القيمة فلا بد أن يعطيه قميصا ، أو جبة ، أو إزارا أو قباء سابلا بحيث يتوشح به عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وإلا فهو كالسراويل ولا تجزئ العمامة إلا أنه إن أمكن أن يتخذ منها ثوب يجزئ مما ذكرنا جاز أما القلنسوة فلا تجزئ بحال قال الطحاوي هذا كله إذا دفع إلى الرجل أما إذا دفع إلى المرأة فلا بد من الخمار مع الثوب ; لأن صلاتها لا تصح بدونه قال في فتح القدير : وهذا يشابه الرواية عن محمد في دفع السراويل أنه للمرأة لا يكفي وهذا كله خلاف ظاهر الجواب ، وإنما ظاهر الجواب ما يثبت به اسم المكتسي وينتفي عنه اسم العريان وعليه بني عدم إجزاء السراويل لا صحة الصلاة وعدمها فإنه لا دخل له في الأمر بالكسوة ; إذ ليس معناه إلا جعل الفقير مكتسيا ا هـ .

                                                                                        وفي الخلاصة : وفي الثوب يعتبر حال القابض إن كان يصلح للقابض يجوز [ ص: 315 ] وإلا فلا وقال بعض مشايخنا : إن كان يصلح لأوساط الناس يجوز قال شمس الأئمة : وهذا أشبه بالصواب ولو أعطى ثوبا خليقا عن كفارة اليمين إن أمكن الانتفاع به أكثر من نصف مدة الجديد يعني أكثر من ثلاثة أشهر جاز ا هـ .

                                                                                        واعلم أنه لا بد من النية لصحة التكفير في الأنواع الثلاثة كما صرح به في فتح القدير وأن مصرفها مصرف الزكاة قال في الخانية كل من لا يجوز صرف الزكاة إليه لا يجوز صرف الكفارة إليه فلا يعطيها لأبيه ، وإن علا ولا لولده ، وإن سفل وكذا الصدقة المنذورة ولو أعطى كفارة يمينه لامرأته وهي أمة لغيره ومولاها فقير لا يجوز ذلك ; لأن الصدقة تتم بقبولها لا بقبول المولى وهي ليست بمحل لأداء كفارته فلا يجوز كما لو أعطى أباه وأمه وهما مملوكان لفقير لا يجوز ذلك ا هـ .

                                                                                        ويرد على الكلية المذكورة الدفع إلى الذمي فإنه جائز في الكفارة دون الزكاة ، وفي الخانية أيضا لوأعطى في كفارة اليمين عشرة مساكين كل مسكين مدا مدا ثم استغنوا ، ثم افتقروا ثم أعاد عليهم مدا مدا عن أبي يوسف لا يجوز ذلك ; لأنهم لما استغنوا صاروا بحال لا يجوز دفع الكفارة إليهم فبطل ما أدى كما لو أدى إلى مكاتب مدا ، ثم رده في الرق ، ثم كوتب ثانيا ، ثم أعطاه مدا لا يجوز ذلك .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        ( قوله : قال في فتح القدير إلخ ) يوهم أن مراد صاحب الفتح أنه لا يشترط للمرأة الخمار مع الثوب وليس كذلك ، وإنما مراده أن التعليل المذكور لا يصح على ظاهر الرواية وأنه يكفي في الخمار أن يستر الرأس ، وإن لم تصح به الصلاة يدل عليه باقي عبارة الفتح حيث قال [ ص: 315 ] والمرأة إذا كانت لابسة قميصا سابلا ، أو إزارا ، أو خمارا غطى رأسها وأذنيها دون عنقها لا شك في ثبوت اسم أنها مكتسية لا عريانة ومع هذا لا تصح صلاتها فالعبرة بثبوت ذلك الاسم صحت الصلاة ، أو لا ا هـ .




                                                                                        الخدمات العلمية