الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله : ومن قذف امرأة لم يدر أبو ولدها أو لاعنت بولد أو رجلا وطئ في غير ملكه أو أمة مشتركة أو مسلما زنا في كفره أو مكاتبا مات عن وفاء لا يحد ) بيان لست مسائل إلا الأوليان فلقيام أمارة الزنا منها وهو ولادة ولد لا أب له ففاتت العفة نظرا إليها وهي شرط أطلقه فشمل ما إذا كان الولد حيا عند القذف أو ميتا وقيد بكونها لاعنت بولد إذ لو قذف الملاعنة بغير ولد فعليه الحد لانعدام أمارة الزنا وأشار بقوله لاعنت إلى أنه لا بد من بقاء اللعان حتى لو بطل بإكذابه نفسه ثم قذفها رجل حد لزوال التهمة بثبوت النسب منه وكذا لو قامت البينة على الزوج أنه ادعاه وهو ينكر يثبت النسب منه ويحد ومن قذفها بعد ذلك يحد ; لأنها خرجت عن صورة الزواني ولو قذفها الزوج فرافعته وأقامت بينة أنه أكذب نفسه حد ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم أو بمعاينة ولا بد من أن يقطع القاضي نسب الولد حتى لو لاعنت بولد ولم يقطع القاضي النسب وجب الحد على قاذفها كما في غاية البيان ، والمراد بعدم معرفة أبي ولدها عدمها في بلد القذف لا في كل البلاد ولذا قال في الجامع الصغير امرأة قذفت في بعض البلاد ومعها أولاد لا يعرف لهم أب فقال لها رجل يا زانية إلخ وفي فتح القدير .

                                                                                        واعلم أنه إن صح ما رواه الإمام أحمد وأبو داود في حديث هلال بن أمية من قوله { وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد } وكذا ما رواه الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال { قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه ومن رماها به جلد ثمانين } أشكل على المذهب والأئمة الثلاثة جعلوا قذف الملاعنة بولد كقذف الملاعنة بلا ولد إلى آخره ، وأما الثالثة ، والرابعة أعني إذا قذف رجلا وطئ المقذوف امرأة في غير ملكه أو أمة مشتركة فلفوات العفة وهي شرط الإحصان ; لأن القاذف صادق ، والأصل فيه أن من وطئ وطئا حراما لعينه لا يجب الحد بقذفه ; لأن الزنا هو الوطء المحرم لعينه ، وإن كان محرما لغيره يحد ; لأنه ليس بزنا ، والوطء في غير الملك من كل وجه أو من وجه حرام لعينه وكذا الوطء في الملك ، والحرمة مؤبدة ، فإن كانت الحرمة مؤقتة فالحرمة لغيره فأبو حنيفة يشترط أن تكون الحرمة المؤبدة ثابتة بالإجماع أو بالحديث المشهور لتكون ثابتة [ ص: 42 ] من غير تردد وقد قدمنا شيئا من هذه المسائل وقيد بكونه في غير الملك ; لأنه لو كان وطئ أمته المجوسية أو المزوجة أو امرأته الحائض أو مكاتبته أو المظاهر منها أو المحرمة أو المشتراة شراء فاسدا فعلى قاذفه الحد ; لأن الحرمة مؤقتة وكذا إذا وطئ أخته من الرضاع وهي أمته ; لأنها وإن كانت محرمة مؤبدة فهي مملوكة له .

                                                                                        وهذا قول الكرخي ، والصحيح أنه لا يحد قاذفه لثبوت التضاد بين الحل ، والحرمة فلو قال المصنف أو رجلا وطئ في غير ملكه أو في ملكه ، والحرمة مؤبدة لكان أولى وشمل قوله في غير ملكه جارية ابنه ، والمنكوحة نكاحا فاسدا ، والأمة المستحقة ، والمكره على الزنا ، والثابت حرمتها بالمصاهرة أو تزوج محارمه ودخل بهن أو جمع بين المحارم أو تزوج أمة على حرة ، وأما الخامسة وهي ما إذا قذف مسلما زنى في حال كفره فلتحقق الزنا منه شرعا ، وإن كان الإثم قد ارتفع بإسلامه لانعدام الملك ولهذا وجب عليه الحد لو كان في ديارنا وأطلقه فشمل الحربي ، والذمي وما إذا كان الزنا في دار الإسلام أو في دار الحرب وشمل ما إذا قال له زنيت وأطلق ثم أثبت أنه زنى في كفره أو قال له زنيت وأنت كافر فهو كما لو قال لمعتق زنيت وأنت عبد ، وأما السادسة وهي ما إذا قذف مكاتبا مات عن وفاء فلتمكن الشبهة في الحرية لمكان اختلاف الصحابة رضي الله عنهم وقيد بكونه مات عن وفاء ليفيد أن المكاتب إذا مات عن غير وفاء لا حد على قاذفه بالأولى لموته عبدا .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        ( قوله : أو بالحديث المشهور ) مثاله حرمة وطء المنكوحة للأب بلا [ ص: 42 ] شهود بناء على ادعاء شهرة حديث { لا نكاح إلا بشهود } ولذا لم يعرف فيه خلاف بين الصحابة وحرمة وطء أمته التي هي خالته من الرضاع أو عمته لقوله عليه الصلاة والسلام { يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب } كذا في الفتح .

                                                                                        ( قوله : والثابت حرمتها بالمصاهرة ) ليس على إطلاقه لما مر آنفا أنه يشترط في الحرمة المؤبدة عنده أن تكون ثابتة بالإجماع أو بالحديث المشهور قال في الفتح وأبو حنيفة إنما يعتبر الخلاف عند عدم النص على الحرمة بأن تثبت بقياس أو احتياط كثبوتها بالنظر إلى الفرج والمس بشهوة ; لأن ثبوتها لإقامة المسبب مقام السبب احتياطا فهي حرمة ضعيفة لا ينتفي بها الإحصان الثابت بيقين بخلاف الحرمة الثابتة بزنا الأب ، فإنها ثابتة بظاهر قوله تعالى { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم } فلا يعتبر الخلاف مع وجود النص ( قوله : أو قال له زنيت وأنت كافر إلخ ) مقتضاه أنه لا يجب الحد به وقد مر عن الظهيرية عند قوله : وإحصانه إلخ ما يخالفه فتأمل وقد يقال ما مر محمول على ما إذا كان الزنا في حالة الكفر أو الرق غير ثابت وما هنا على ما إذا كان ثابتا ثم رأيته لكن في الفتح والمراد قذفها بعد الإعلام بزنا كان في نصرانيتها بأن قال زنيت وأنت كافرة وكذا لو قال المعتق زنى وهو عبد زنيت وأنت عبد لا يحد كما لو قال قذفتك بالزنا وأنت مكاتبة أو أمة فلا حد عليه ; لأنه إنما أقر أنه قذفها في حال لو علمنا منه صريح القذف لم يلزم حده ; لأن الزنا يتحقق من الكافر ولذا يقام عليه الجلد حدا بخلاف الرجم على ما مر ولا يسقط الحد بالإسلام وكذا العبد .




                                                                                        الخدمات العلمية