الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        قوله ( والذمي كالمسلم في بيع غير الخمر والخنزير ) لأنه مكلف محتاج فشرع في حقهم أسباب المعاملات فكل ما جاز لنا من البياعات من الصرف والسلم وغيرهما جاز له وما لا يجوز من الربا وغيره لا يجوز له إلا الخمر والخنزير فإن عقدهم فيها كعقدنا على العصير والشاة فيجوز له السلم في الخمر دون الخنزير ، وفي البدائع لا يمنعون من بيع الخمر والخنزير ، أما على قول بعض مشايخنا فلأنه مباح الانتفاع به شرعا لهم فكان مالا في حقهم عن البعض حرمتهما ثابتة على العموم في حق المسلم والكافر لأن الكفار مخاطبون بشرائع هي محرمات وهو الصحيح من مذهب أصحابنا فكانت الحرمة ثابتة في حقهم لكنهم لا يمنعون عن بيعها لأنهم لا يعتقدون حرمتها ويتمولونها ، وقد أمرنا بتركهم وما يدينون . ا هـ .

                                                                                        قيد بالخمر والخنزير لأنا لا نجيز فيما بينهم بيع الميتة والدم ، وأما المنخنقة والتي قد جرحت في غير موضع الذبح وذبائح المجوس كالخنزير قال في الإصلاح فالمستثنى غير مختص بهما كما يفهم من الهداية . ا هـ .

                                                                                        وفي البزازية وبيع المجوسي ذبيحته أو ما هو ذبيحة عنده كالخنق من كافر جائز عند الثاني . ا هـ .

                                                                                        فظاهره أنه غير جائز عند الأول والثالث وحينئذ فالمستثنى مختص بالخمر والخنزير لا كما زعم صاحب الإصلاح وفي البزازية أيضا بيع متروك التسمية عمدا من كافر يجوز . ا هـ .

                                                                                        وفي القنية من كتاب الشفعة تأخير اليهودي في السبت لاشتغاله بالسبت مبطل للشفعة وفيها من الحدود ويمنع الذمي عما يمنع المسلم إلا شرب الخمر فإن غنوا وضربوا العيدان يمنعوا كالمسلمين لأنه لم يستثن عنهم . ا هـ .

                                                                                        وفي إيضاح الكرماني ولو باع ذمي من ذمي خمرا أو خنزيرا ، ثم أسلما أو أسلم أحدهما قبل القبض انتقض البيع والمراد بلفظة الانتقاض إثبات حق الفسخ لتعذر القبض بالإسلام فصار كما لو أبق المبيع فإن صار خلا قبل القبض خير المشتري إن شاء نقض وإن شاء أخذ في قولهما وعند محمد العقد باطل وكذا المسلم إذا اشترى عصيرا فتخمر ، ولو قبض الخمر ، ثم أسلما أو أحدهما جاز البيع قبض الثمن أو لا ، ولو اشترى الذمي عبدا مسلما جاز وأجبر على بيعه وكذا إذا اشترى مصحفا ، ولو اشترى كافر من كافر عبدا مسلما شراء فاسدا أجبر على رده ويجبر البائع على بيعه ; لأن دفع الفساد [ ص: 189 ] واجب حقا للشرع فيجبر على الرد لينعدم الفساد ، ثم يجبر البائع على بيعه وإن أعتقه الذمي جاز وإن دبره جاز ويسعى في قيمته ، وكذا لو كانت أمة فاستولدها ويوجع الذمي ضربا ; لأنه وطئ مسلمة وذلك حرام فإن كاتبه جاز ولا يفترض عليه فإن عجز أجبر على بيعه ، وكذا الذمي إذا ملك شقصا من مسلم فهو كالكل فإذا كان أحد المتعاقدين مسلما والآخر ذميا لم يجز بينهما إلا ما يجوز بين المسلمين ، ولو أقرض النصراني نصرانيا خمرا ، ثم أسلم المقرض سقط الخمر لتعذر قبضها فصار كهلاكها مستندا إلى معنى فيها وإن أسلم المستقرض فعن أبي حنيفة سقوطها وعنه أن عليه قيمتها وهو قول محمد لتعذره لمعنى من جهته . ا هـ . ولم أر حكم وقف الكافر مصحفا .

                                                                                        [ ص: 188 ]

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        [ ص: 188 ] ( قوله فيجوز السلم في الخمر دون الخنزير ) لأن السلم في الحيوان لا يجوز ( قوله لأن الكفار مخاطبون ) قال في متن المنار والكفار مخاطبون بالأمر بالإيمان بالمشروع من العقوبات وبالمعاملات وبالشرائع في حق المؤاخذة في الآخرة بلا خلاف أي المشروعات كالصلاة والصوم ، وأما في وجوب الأداء في أحكام الدنيا فكذلك عند البعض والصحيح أنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات . ا هـ .

                                                                                        قال المؤلف في شرحه كالصلاة والصوم فلا يعاقبون على تركها ، ثم قال والراجح عليه الأكثر من العلماء على التكليف لموافقته لظاهر النصوص فليكن هو المعتمد . ا هـ . ( قوله : فالمستثنى غير مختص بهما ) قال في النهر أقول : ولا هو مختص بما ذكره لأن الكافر لو اشترى مسلما أو مصحفا أو شقصا منهما يجبر على بيعه ولو كان المشتري صغيرا أجبر وليه ولو لم يكن له ولي أقام القاضي له وليا ، كذا في السراج وينبغي أن عقد الصغير في هذا لا يتوقف على الإجازة . ا هـ . أي لعدم فائدته لأنه إذا أجازه وليه يجبر على بيعه وقد يقال أنه قد يسلم قبل إجبار وليه فيبقى على ملكه تأمل وأقول : أيضا قول المصنف : والذمي كالمسلم إن كان المراد به التشبيه من حيث الحل والحرمة فما زاده مسلم وإن كان من حيث الصحة والفساد فلا وهو الظاهر لموافقته للصحيح من مذهب أصحابنا كما مر فتدبر .

                                                                                        ( قوله : أو ما هو ذبح عنده ) معطوف على قوله ذبيحته وقوله كالخنق تمثيل لما هو ذبح عنده وقوله من كافر متعلق ببيع الذي هو مبتدأ وقوله جائز خبر . ( قوله : فظاهره أنه غير جائز عند الأول والثالث ) قال في النهر ممنوع لجواز أن يكون نسبه إليه لأنه هو المخرج له ولا قول لهما فيه ، وقد التزم مثله في طلاق فتح القدير والمعنى يشهد له لأن ما ذكر لا ينزل عن مرتبة الخنزير إذا ذبحه الذمي . ا هـ .

                                                                                        أقول : تقدم التصريح بالخلاف في البيع الفاسد عند قوله لم يجز بيع الميتة حيث قال المؤلف هناك عن التجنيس ولو باعوا ذبيحتهم وذبحهم أن يخنقوا الشاة ويضربوها حتى تموت جاز لأنها عندهم بمنزلة الذبيحة عندنا وفي جامع الكرخي يجوز البيع بينهم عند أبي يوسف خلافا لمحمد [ ص: 189 ] ( قوله ولم أر حكم وقف الكافر مصحفا ) قال في النهر بعد نقله عن السراج تعليل إجباره على بيع المصحف بأنه يخاف منه إتلافه بما لا يحل ، أقول : في تعليله إيماء إلى أنه ليس قربة عندهم فلا يصح وقفه وهذا لأن ما يتقرب بإيقافه لا يخشى إتلافه بما لا يحل كحرق ونحوه




                                                                                        الخدمات العلمية