الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله ودعا بما يشبه ألفاظ القرآن والسنة لا كلام الناس ) أي بالدعاء الموجود في القرآن ولم يرد حقيقة المشابهة إذ القرآن معجز لا يشابهه شيء ولكن أطلقها لإرادته نفس الدعاء لا قراءة القرآن مثل { ربنا لا تؤاخذنا } { ربنا لا تزغ قلوبنا } { رب اغفر لي ولوالدي } { ربنا آتنا في الدنيا حسنة } إلى آخر كل من الآيات ، وقوله : والسنة ، يجوز نصبه عطفا على ألفاظ أي دعا بما يشبه ألفاظ السنة وهي الأدعية المأثورة ومن أحسنها ما في صحيح مسلم { اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال } ويجوز جره عطفا على القرآن أو ما أي دعا بما يشبه ألفاظ السنة أو دعا بالسنة ، وقد تقدم أن الدعاء آخرها سنة لحديث ابن مسعود { ، ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به } ولفظ مسلم { ، ثم ليتخير من المسألة ما شاء } وله حديث أيضا عند أحمد ، وإن كان في آخرها { دعا يعني النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد بما شاء أن يدعو ، ثم يسلم } وعن أبي أمامة { قال : قيل : يا رسول الله ، أي الدعاء أسمع ؟ قال : جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات } رواه الترمذي وحسنه والدبر يطلق على ما قبل الفراغ منها أي الوقت الذي يليه وقت الخروج منها ويراد به وراءه وعقبه أي الوقت الذي يليه وقت الخروج ولا يبعد أن يكون كل من الوقتين أوفق لاستماع الدعاء فيه أولى باستحبابه

                                                                                        وأطلق في المدعو له ولم يخصه بنفسه ; لأن السنة أن لا يخص المصلي نفسه بالدعاء لقوله تعالى { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } وللحديث { من صلى صلاة لم يدع فيها للمؤمنين والمؤمنات فهي خداج } ، ثم ظاهر النصوص ومن جملتها التشهد في الصلاة استحباب تقديم نفسه في الدعاء كما ثبت في سنن أبي داود وغيره { كان صلى الله عليه وسلم إذا دعا بدعاء بدأ بنفسه } ، وهو من آداب الدعاء ولذا قال في منية المصلي ويستغفر لنفسه ولوالديه إن كانا مؤمنين ولجميع المؤمنين والمؤمنات ، وإنما قيد بإيمانهما ; لأنه لا يجوز الدعاء بالمغفرة للمشرك ولقد بالغ القرافي المالكي كما نقله في شرح منية المصلي بأن قال إن الدعاء بالمغفرة للكافر كفر لطلبه تكذيب الله تعالى فيما أخبر به ، وقد صرح المفسرون بأن والدي سيدنا نوح كانا مؤمنين ، ثم ظاهر ما في المنية أنه يجوز الدعاء بالمغفرة لجميع ذنوبهم ، وقد صرح القرافي بتحريمه ; لأن فيه تكذيبا للأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه لا بد من تعذيب طائفة من المؤمنين بالنار وخروجهم منها بشفاعة أو بغير شفاعة ، ودخولهم النار إنما هو بذنوبهم ولا يوجب الكفر كالدعاء للمشرك بها للفرق بين تكذيب الآحاد والقطعي ، وأما قول الداعي اللهم اغفر لي ولجميع المسلمين فيجوز أن يريد بالمغفرة له : المغفرة من جميع الذنوب

                                                                                        وأما لجميع المسلمين : فإن أراد المغفرة من حيث الجملة ولم [ ص: 350 ] يشركهم فيما طلبه لنفسه فهو جائز ، وإن أراد المغفرة لكل أحد من جميع ذنوبه فهو المحرم الذي ذكرناه وتعقبه الكرماني شارح البخاري ورده في شرح منية المصلي وأطال الكلام ، والحق أنه يكون عاصيا بالدعاء للكافر بالمغفرة غير عاص بالدعاء بالمغفرة لجميع المؤمنين ; لأن العلماء اختلفوا في جواز العفو عن المشرك عقلا ، قيل بالجواز ; لأن الخلف في الوعيد كرم فيجوز من الله تعالى ، وإن كان المحققون على خلافه كما ذكره التفتازاني في شرح العقائد ، وقد قال العلامة زين العرب في شرح المصابيح من بحث الإيمان : ليس بحتم عندنا أي أهل السنة أن يدخل النار أحد من الأمة بل العفو عن الجميع مرجو لموجب قوله تعالى { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وقوله تعالى { إن الله يغفر الذنوب جميعا } ا هـ .

                                                                                        فيجوز أن يطلب للمؤمنين لفرط شفقته على إخوانه الأمر الجائز الوقوع وإن لم يكن واقعا ، ثم في تقديم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدعاء بيان للسنة كما ذكره الطحاوي في مختصره للحديث الصحيح المروي في سنن الترمذي وغيره { إذا صلى أحدكم فليبدأ بالحمد والثناء على الله ، ثم بالصلاة علي ، ثم بالدعاء }

                                                                                        ولم يبين المصنف كلام الناس هنا وبينه في الكافي فقال : وفسروه بما لا يستحيل سؤاله من العباد نحو أعطني كذا وزوجني امرأة وما لا يشبه كلامهم ما يستحيل سؤاله منهم نحو اغفر لي ; لأنه يختص به عز وجل ، قال الله تعالى { ومن يغفر الذنوب إلا الله } ا هـ .

                                                                                        وهكذا ذكره الجمهور ، ويشكل عليه أن المغفرة كما ذكروه تختص بالله تعالى وهم فصلوا فقالوا : لو قال اللهم اغفر لعمي أو لخالي تفسد ، ذكره في الخلاصة من غير ذكر خلاف وذكر فيها أنه لو قال اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات لا تفسد ولم يحك خلافا وحكى الخلاف فيما إذا قال اللهم اغفر لأخي قال الحلواني لا تفسد ، وقال ابن الفضل تفسد وصحح في المحيط الأول ، ووجهه : أنه موجود في القرآن العظيم حكاية عن موسى عليه السلام { رب اغفر لي ولأخي } ، وفي الذخيرة لو قال اللهم اغفر لزيد أو لعمرو تفسد [ ص: 351 ] صلاته ; لأنه ليس في القرآن ، والذي ظهر للعبد الضعيف أن هذه الفروع المفصلة في المغفرة مبنية على القول الضعيف الذي يفسر ما ليس من كلام الناس بما يستحيل سؤاله من العباد وكان في القرآن أو في السنة

                                                                                        أما على قول الجمهور والمقتصرين على الأول فلا تفصيل في سؤال المغفرة أصلا فلا تفسد الصلاة به ولذا قال في الخلاصة بعد ذكر هذه الفروع التي ذكرناها عنها .

                                                                                        والحاصل أنه إن سأل ما يستحيل سؤاله من الخلق لا تفسد إذا كان في القرآن وكان مأثورا ، وفي الجامع الصغير لم يشترط كونه في القرآن أو كونه مأثورا بل قال إن كان يستحيل سؤاله من الخلق لا تفسد ، وإن كان لا يستحيل تفسد ا هـ .

                                                                                        بلفظه ، فظهر أن التفصيل إنما هو مبني على غير ظاهر الرواية فإن الجامع الصغير من كتب ظاهر الرواية بل كل تأليف لمحمد بن الحسن موصوف بالصغير فهو باتفاق الشيخين أبي يوسف ومحمد بخلاف الكبير فإنه لم يعرض على أبي يوسف لكن يشكل عليه ما في الفتاوى الظهيرية لو قال اللهم اغفر لعمي تفسد اتفاقا إلا أن يحمل على اتفاق المشايخ المبني على ما ذكرنا ، ولهذا قال في المجتبى ، وفي أقربائي أو أعمامي اختلاف المشايخ . ا هـ .

                                                                                        لأنه يشكل بقوله اللهم اغفر لزيد أو لعمرو ، فإن صاحب الذخيرة قد صرح بالفساد به مع أن سؤال المغفرة مما يستحيل سؤاله من العباد ولم يذكروا فيه خلافا

                                                                                        ويمكن أن يقال إنه على الخلاف أيضا وإن الظاهر عدم الفساد به ، ولهذا قال في الحاوي القدسي من سنن القعدة الأخيرة الدعاء بما شاء من صلاح الدين والدنيا لنفسه ولوالديه وأستاذه وجميع المؤمنين ، وهو يفيد أنه لو قال اللهم اغفر لي ولوالدي ولأستاذي لا تفسد مع أن الأستاذ ليس في القرآن فيقتضي عدم الفساد بقوله اللهم اغفر لزيد ، وفي الذخيرة وغيرها لو قال اللهم ارزقني من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها لا تفسد صلاته ; لأن عينه في القرآن ولو قال اللهم ارزقني بقلا وقثاء وعدسا وبصلا تفسد ; لأن عين هذا اللفظ ليس في القرآن ، وفي الهداية اللهم ارزقني من كلام الناس لاستعمالها فيما بينهم يقال رزق الأمير الجيش وتعقبه في غاية البيان بأن إسناد الرزق إلى الأمير مجاز فإن الرازق في الحقيقة هو الله تعالى ، وقد صرح فخر الإسلام بأن سؤال الرزق كسؤال المغفرة وفصل في الخلاصة فقال لو قال ارزقني فلانة الأصح أنها تفسد بخلاف ارزقني الحج الأصح أنها لا تفسد ، وكذا ارزقني رؤيتك ، وفي المضمرات شرح القدوري ولو قال اللهم اقض ديني تفسد ، ولو قال اللهم اقض دين والدي لا تفسد ، وهو مشكل فإن الدعاء بقضاء الدين لنفسه ورد في السنة الصحيحة في مسلم وغيره من قوله { اقض عنا الدين وأغننا من الفقر } فإن التفصيل بين كونه مستحيلا أولا إنما هو في غير المأثور كما هو ظاهر كلام الخانية إلا أن يقال : المراد بالمأثور أن يكون ورد في الصلاة لا مطلقا ، وهو بعيد

                                                                                        وفي فتاوى الحجة ، ولو قال اللهم العن الظالمين لا يقطع صلاته ، ولو قال اللهم العن فلانا يعني ظالمه يقطع الصلاة . ا هـ .

                                                                                        وفي السراج الوهاج أن الذي يشبه كلام الناس إنما يفسدها إذا كان قبل تمام فرائضها أما إذا كان بعد التشهد لا يفسدها ; لأن حقيقة كلام الناس لا يبطلها فهذا أولى ، وإنما لم يدع بكلام الناس في آخرها للحديث { إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس } فيقدم على المبيح ، وهو عموم قوله صلى الله عليه وسلم { ، ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه } ، وفي فتاوى الولوالجي المصلي ينبغي أن يدعو في الصلاة بدعاء محفوظ لا بما يحضره ; لأنه يخاف أن يجري على لسانه ما يشبه كلام الناس فتفسد صلاته ، فأما في غير الصلاة فينبغي أن يدعو بما يحضره ولا يستظهر الدعاء ; لأن حفظ الدعاء يمنعه عن الرقة .

                                                                                        [ ص: 349 ]

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        [ ص: 349 ] ( قوله وقد صرح القرافي بتحريمته إلخ ) قال في النهر ونقله الإسنوي أيضا عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام شيخ القرافي وأقرهما عليه ، ورده ابن أمير حاج ا هـ .

                                                                                        وقوله ، ورده ابن أمير حاج غير صحيح لما سيأتي [ ص: 350 ] ( قوله ورده في شرح منية المصلي ) أي للعلامة محمد بن أمير حاج قال المداري في حواشي الدر المختار : الحق في هذه المسألة ما ذكره ابن أمير حاج بعد كلام طويل حيث قال : ثم يتلخص من هذه الجملة أن المدار في جواز الدعاء المذكور جواز التخصيص لما دل عليه اللفظ بوضعه اللغوي من العموم في نصوص الوعيد ولا بدع في ذلك ، فإن قيل : فيقال مثله في الوعد ، قلنا : لا ضير في التزامه لعدم الموجب للفرق بينهما في ذلك وانتفاء المانع من القول به فإنه كما دخل التخصيص في قوله تعالى { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } بمن عفي عنه تفضلا أو لغير ذلك فلم ير شرا مع عمله له فكذا دخل في قوله تعالى { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } بمن حبط عمله برده فلم ير خيرا مع عمله له ، وحاشا الله تعالى أن يراد بجواز الخلف في الوعيد أن لا يقع عذاب من أراد الله تعالى الإخبار بعذابه فإنه محال على الله تعالى قطعا كما أن عدم وقوع نعيم من أراد الله تعالى الإخبار عنه بالنعيم محال عليه قطعا ، وكيف لا وقد قال الله تعالى { ومن أصدق من الله قيلا } { ومن أصدق من الله حديثا } { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } { لا مبدل لكلماته } وحينئذ فليحمل قول ابن نباتة الحمد لله الذي إذا وعد وفى وإذا أوعد تجاوز وعفا ، على أن المراد بالوعيد صورة العموم وبالوعد من أريد بالخطاب ، ثم حيث كان المراد هذا فالأوجه ترك إطلاق جواز الخلف في الوعد والوعيد دفعا لإيهام أن يكون المراد منه هذا المحال وإنما وافقناهم على الإطلاق لشهرة المسألة بينهم بهذه الترجمة ونستغفر الله العظيم من كل ما ليس فيه رضاه هذا كلامه .

                                                                                        إذا عرفت هذا فما في الشرح أي الدر المختار من أنه لا يحرم الدعاء بالمغفرة لكل المؤمنين كل ذنوبهم تبعا للبحر غير صحيح ولا يجوز اعتقاده ا هـ .

                                                                                        قلت : وما نقله هنا عن ابن أمير حاج قد رأيته ملخصا في شرحه على التحرير الأصولي لشيخه المحقق ابن الهمام في أول الفصل الثالث ( قوله ليس بحتم عندنا إلخ ) أقول : ظاهر صدر الكلام أن ذلك جائز شرعا وظاهر قوله آخرا ، وإن لم يكن واقعا أنه جائز عقلا لا شرعا ، فإن كان المراد الثاني فكيف يجوز ما خالف الشرع ؟ وإن كان الأول فهو مشكل جدا إذ نقل غير واحد إجماع أهل السنة والجماعة على أنه لا بد من نفوذ الوعيد في بعض العصاة من الموحدين ، وهو مما يجب اعتقاده ، ولكن وقع التردد في أنه هل مما يجب اعتقاده أن كل نوع من الكبائر لا بد من عقاب طائفة من مرتكبيه أو يكفي في أداء الواجب أن يعتقد أن نوع الكبائر يعذب طائفة من مرتكبيها من غير نظر إلى عموم أنواعها ولا خصوص بعضها ، فيه تردد كما ذكره الأبي وعبارته على ما في الشرح الكبير للبرهان إبراهيم اللقاني على جوهرته انعقد الإجماع على أنه لا بد من نفوذ الوعيد في طائفة من العصاة لأن الله تعالى توعدهم وكلامه تعالى صدق فلا بد من وقوعه ، ثم يبقى النظر هل المراد طائفة من جميع العصاة أو طائفة من كل صنف منهم ، وهذا هو الظاهر لأن الله تعالى توعد كل صنف على حدته ، وهو ظاهر كلام القاضي هنا انتهت ، ثم نقل اللقاني الإجماع عن النووي أيضا .




                                                                                        الخدمات العلمية