الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        قال رحمه الله : ( والأكل والشرب والادهان والتطيب في إناء ذهب وفضة للرجال والنساء ) لما روى حذيفة أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها ، وإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة } رواه البخاري ومسلم وأحمد وروي عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إن الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم } فإذا ثبت في الشرب فالأكل كذلك والتطيب لاستوائهم في الاستعمال فيكون الوارد فيها يكون واردا فيما هو في معناها دلالة ولأنها تنعم بتنعم المترفهين والمسرفين وتشبه بهم قال الله تعالى فيهم { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا } وقال عليه الصلاة والسلام { من تشبه بقوم فهو منهم } والمراد بقوله كره كراهة التحريم [ ص: 211 ] ويستوي فيه الرجال والنساء لإطلاق ما روينا وكذا الأكل بملعقة من الذهب والفضة والاكتحال بميلها وما أشبه ذلك من الاستعمالات ومعنى يجرجر يردد من جرجر الفحل إذا ردد صوته في حنجرته قال في النهاية : قيل صورة الإدهان المحرم هو أن يأخذ آنية الذهب ، أو الفضة ويصب الدهن على الرأس أما إذا أدخل يده وأخذ الدهن ، ثم يصب على الرأس لا يكره وعزاه إلى الذخيرة وظاهر عبارة النهاية حيث عبر بقيل أنه ضعيف قال في الجامع الصغير : قالوا : وهذا إذا كان يصب من الآنية على رأسه أم بدنه أما إذا أدخل يده في الإناء وأخرج منها الدهن ، ثم استعمل فلا يكره ا هـ .

                                                                                        وهو يفيد صحته قال في العتابية : وأرى أنه مخالف لما ذكره المصنف في المكحلة والميل ولا بد أن ينفصل عنها حين الاكتحال ومع ذلك فقد ذكر في المحرمات : واعترض صاحب التسهيل على ما قيل في صورة الإدهان وهو يقتضي أنه لا يكره إذا أخذ الطعام من آنية الذهب والفضة بملعقة ، ثم أكل منها وكذا إذا أخذ بيده ثم أكل منها وأجاب عنه صاحب الدرر والغرر بما يصلح جوابا عما أورده صاحب العناية قال حيث قال بعد ذكر الاعتراض أقول : منشؤه الغفلة عن معنى عبارة المشايخ وعدم الوقوف على مرادهم ; أما الأول : فلأن " من " في قولهم من إناء ذهب ابتدائية ، وأما الثاني فلأن مرادهم أن الأدوات المصنوعة من المحرمات إنما يحرم استعمالها فيما صنعت له بحسب متعارف الناس ; فإن الأواني الكبيرة المصنوعة من الذهب والفضة لأجل أكل الطعام إنما يحرم استعمالها إذا أكل منها باليد ، أو الملعقة ، وأما إذا أخذ منها ووضع على موضع مباح فأكل منه لم يحرم لانتفاء ابتداء الاستعمال منها وكذا الأواني الصغيرة المصنوعة لأجل الإدهان ونحوه إنما يحرم استعمالها إذا أخذت وصب منها الدهن على الرأس لأنها صنعت لأجل الإدهان منها بذلك الوجه ، وأما إذا أدخل يده وأخذ الدهن وصبه على الرأس ومن اليد فلا يكره لانتفاء ابتداء الاستعمال منها فظهر أن مرادهم أن يكون ابتداء الاستعمال المتعارف من ذلك على العرف المحرم ا هـ .

                                                                                        وأورد عليه بأن الموجود في عبارة المتقدمين كالجامع الصغير والمحيط والذخيرة ، وإنما وقف كله في عبارة بعض المتأخرين ، والثالث أن العرف المتعارف فيه التناول باليد والمعرفة فيما ذكره لا تصلح فارقا ، وفي الفتاوى الغياثية : ويكره أن يدهن رأسه بدهن من إناء فضة وكذا إذا صب الدهن على رأسه ، ثم مسح رأسه ، أو لحيته ، وفي الغالية لا بأس ولا يصب الغالية على الرأس من الدهن ، وفي المنتقى : يكره أن يستجمر بمجمر ذهب ، أو فضة وهو مروي عن الإمام وأبي يوسف ، وفي السراجية : ويكره أن يكتب بقلم ذهب ، أو فضة ، أو دواة كذلك .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        الخدمات العلمية