الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        قال رحمه الله ( ، ومن جرح رجلا عمدا فصار ذا فراش حتى مات يقتص ) يعني إذا جرح إنسان آخر فصار المجروح صاحب فراش حتى مات ، فإنه يقتص من الجارح ; لأن الجرح سبب ظاهر لموته فيحال الموت عليه ما لم يوجد ما يقطعه كحز الرقبة أو البرء منه قال رحمه الله ( ، وإن مات بفعل نفسه وزيد وأسد وحية ضمن زيد نصف الدية ) ; لأن فعل الأسد والحية جنس واحد لكونه هدرا في الدنيا والآخرة وفعله بنفسه جنس آخر لكونه هدرا في الدنيا معتبرا في الآخرة حتى يأثم به وفعل زيد معتبر في الدنيا والآخرة فصارت ثلاثة أجناس هدر مطلقا ومعتبر مطلقا ومعتبر من وجه دون وجه ، وهو فعله بنفسه فيكون الثابت فعلا واحدا فيجب على زيد ثلث الدية ثم إن كان فعل زيد عمدا تجب عليه الدية في ماله وإلا فعلى العاقلة لما عرف في موضعه ، وفي المبسوط وغيره المشاركة في القتل لا يخلو إما أن يشارك القاتل من لا يكون فعله مضمونا أو يشاركه من يكون فعله مضمونا ، فإن شاركه من لا يكون فعله مضمونا كالسبع والبهيمة والحربي والمرتد أو جرح إنسان نفسه ثم جرحه آخر أو قطع الإمام يد السارق في سرقة ثم قطع آخر يده أو جرحه ومات فلا قصاص على القاتل بالإجماع ، وإن شاركه من يكون فعله مضمونا كالخاطئ والصبي والمجنون فلا قصاص على واحد منهما ، ولو كان مكان العمد خطأ تجب دية واحدة ، ولو جرحه رجلان عامدا ثم مات أحد الجارحين ثم مات المجروح أو رمى رجلان إلى آخر فمات أحدهما ثم أصاب السهمان فمات من ذلك هل يجب القصاص على الحي قال بعضهم يجب ; لأن فعل كل واحد منهما موجب وقال بعضهم : لا يجب ; لأن فعل أحدهما إنما ينعقد موجبا بعد الإصابة فلا ينعقد أحدهما موجبا بانفراده .

                                                                                        رجلان قتلا رجلا أحدهما بالسيف ، والآخر بالعصابة يقضى بالدية على عاقلة صاحب العصا والقصاص على صاحب السيف وفي المبسوط أصله أن النفس متى تلفت بجنايات ووجب المال ، فإنه ينظر إن تلفت بجنايات بني آدم فالعبرة فيها بعدد الجاني ولا عبرة بعدد الجنايات في حق الضمان حتى لو جرح واحد عشر جراحات خطأ وجرحه آخر واحدة خطأ فالدية عليهما نصفان ; لأن فعل الإنسان في نفسه معتبر ; لأنه لا ينقلب عن حكمه في الدنيا ، وهو القصاص والدية أو الإثم في الآخرة فاعتبر عدد الجاني لا عدد الجنايات ; لأن كل جناية تصلح أن تكون سبب الموت لو انفردت والعلة [ ص: 344 ] لا تترجح بالزيادة من جنسها فاعتبر الكل جناية واحدة وإذا تلفت بجنايات البهائم وبجنايات بني آدم فلا عبرة بعدد الجنايات ; لأن فعل البهائم هدر أصلا ; لأنه لا يناط به حكم ما فاعتبر جنايات البهائم كلها كجناية واحدة ; لأن حكم الكل واحد ، وهو الهدر ، هذا كرجل به جروح ودماميل قاتلة فجرحه رجل آخر فمات من الكل يضمن الجارح نصف الدية ويرفع النصف ويسقط عنه اعتبار عدد الدماميل ; لأنها مهدرة ، ولو قطع رجل يده ولصاحبه فشجه وعقره كلب فكسر رجله وافترسه سبع فعلى القاطع نصف الدية ; لأن النفس تلفت بجنايات أربع واحدة فصار كأنها تلفت بجنايتين إحداهما معتبرة والأخرى مهدرة .

                                                                                        ولو قطع يده رجل وجرحه آخر وجرح هو أيضا نفسه وافترسه سبع ضمن القاطع ربع الدية والجارح ربعها ; لأن النفس تلفت بجنايات أربعة ثنتان منها من بني آدم وهما معتبرتان وواحدة من غير بني آدم ، وهي مهدرة فقد تلفت بجناية كل واحد من الأجنبيين ربعه وقد سبق بيانه .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        الخدمات العلمية