الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        قال رحمه الله ( وبأمة فولدت بعد موته ، وخرجا من ثلثه فهما له ، وإلا أخذ منها ثم منه ) أي إذا أوصى لرجل بجارية فولدت بعد موت الموصي ولدا ، وكلاهما يخرجان من جميع الثلث فهما للموصى له لأن الأم دخلت في الوصية أصالة ، والولد تابع حين كان متصلا بها ، وعبارته صادقة بما إذا ولدت قبل القبول والقسمة فلو قال فولدت بعدهما إلى آخره لكان أولى لأنها إذا ولدت قبل القسمة ، والتركة مبقاة على ملك الميت قبلها حتى يقضى منها ديونه ، وتنفذ وصاياه دخل ولدها في الوصية فيكونان للموصى له ، وإن لم يخرجا من الثلث ضرب الموصى له بالثلث ، وأخذ ما يخصه من الأم أولا فإن فضل شيء أخذه من الولد ، وهذا عند أبي حنيفة ، وعندهما يعطي له الثلث منهما بالحصص قال الشارح وعبارة المؤلف صادقة بما إذا حدثت قبل القبول أو بعده .

                                                                                        قال في المبسوط أصله أن التركة قبل القسمة مبقاة على حكم الميت حتى أن الزيادة الحادثة قبل القسمة تعد من مال الميت حتى يقضى دينه ، وتنفذ وصاياه لأن الموصى له والورثة تتملك والوصية من جهة الميت فيعتبر بما لو ملك المال من غيره بالبيع أو بالنكاح ، والزوائد الحادثة من المبيع والمهر قبل القبض حادثة على ملك المالك حتى يصير لها حصة من الثمن بالقبض لأن ما يملك يكون مبقى على ملك المملك فكذا هذا ، وظاهر قوله قبل القسمة أنها بعد القسمة ليست بمبقاة فتكون الزوائد للموصى له ثم السائل على فصلين أحدهما في الزيادة ، والثاني في النقصان ، والزيادة الحادثة من الموصى به كالولد والغلة والكسب والأرش بعد موت الموصي قبل قبول الموصى له الوصية يصير موصى بها حتى تعتبر من الثلث لأنها حدثت بعد انعقاد سبب الملك للموصى له في الأصل فإذا حدثت بسبب الملك فيه إلى وقت الموت تدخل تحت الوصية كالمبيعة إذا ولدت في مدة الخيار ، واختار من له الخيار البيع فتصير الزيادة مبيعة حتى تصير لها حصة من الثمن فأما إذا حدثت قبل الموصى له قبل القسمة هل يصير موصى بها لم يذكره محمد ، وذكر القدوري أنه لا يصير موصى بها حتى كانت للموصى له من جميع المال كما لو حدثت بعد القسمة لأن الزيادة حدثت بعد ملك الموصى له ، وبعد تأكد ملكه لأنه ملك الرقبة وتصرف فيه جميعا فصار كالزيادة الحادثة من المبيعة بعد القبض .

                                                                                        وقال مشايخنا يصير موصى بها حتى يعتبر خروجها من الثلث لأنها حدثت بعد الملك قبل تأكد الملك في الأصل لأن ملكه لم يتأكد ، ولم يتقرر بعد لأنه لو هلك ثلث التركة وصارت الحادثة بحيث لا تخرج من ثلث ماله تكون من الحادثة بقدر ثلث الباقي فصار كالزيادة الممهورة الحادثة قبل القبض تصير مهرا حتى تسقط [ ص: 487 ] بالطلاق قبل الدخول ، وقد ملكت الرقبة والتصرف جميعا لأن ملكها غير متأكد قبل القبض حتى لو هلك هلك على الزوج لا عليها ثم ألحق الكسب بالولد في الوصية ، وفي البيع لم يلحقه بالولد لأن الكسب بدل المنفعة ، والمنفعة يجوز أن تملك بالوصية مقصودا فكذلك بدلها أيضا بخلاف البيع فلم يمكن أن يجعل الكسب مبيعا مقصودا بحكم الوارد بالبيع لأن القبض يرد عليه مقصودا لهما أن الزيادة متى حدثت قبل القبض تصير موصى بها حكما ولأبي حنيفة أن الحادث قبل القبض صار مقصودا لكنه تبعا لا أصلا ، وهذا البيان أنها كانت باقية على ملك الميت فلو تصرف فيه الوارث صح قال فيه أيضا رجل له أمة قيمتها ثلاثمائة درهم ولا مال له غيرها فأوصى بها لرجل ثم مات فباعها الوارث بغير محضر من الموصى له فولدت في يد المشتري ولدا قيمته ثلثمائة درهم ثم جاء الموصى له فلم يجز الموصى له البيع سلم للمشتري ثلثي الجارية وثلثي الولد ، وللموصى له ثلث الجارية وثلث الولد لأن الجارية مشتركة بين الورثة وبين الموصى له ، وبيع أحد الشريكين لا ينفذ إلا في نصيبه فنفذ البيع في حصة الورثة ، وهو ثلث الجارية ، ولم ينفذ في حصة الموصى له .

                                                                                        وهو ثلثها فسلم له ثلث الجارية ، والزيادة حدثت بعد نفاذ التصرف الذي حكم القسمة ، والقبض فيكون ثلثا الولد بعد نفاذ البيع نفذ على ملك المشتري فلا يعد من مال الميت وثلثه حدث على ملك الميت فيكون ذلك من مال الميت فصار مال الميت يوم القسمة ثلثي الجارية قيمتها مائتا درهم ، ولو كانت ازدادت في مدتها فصارت قيمتها ستمائة فثلثاها سالم للمشتري وثلثها للموصى له وثلث ثلثها للورثة لأن مال الميت أربعمائة لأن البيع نافذ في ثلثي الجارية فحدثت ثلثا الزيادة على ملك المشتري فبقي مال الميت قيمتها ثلاثمائة وثلث الزيادة قيمته مائة فصار مال الميت قيمته أربعمائة فيكون ثلثها للموصى له ، وذلك مائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، وثلثمائة من أصل الجارية وثلاثة وثلاثون من الزيادة لأن قيمة ثلثي الجارية مائتان فيكون ثلثها مائة وثلاثة وثلاثين وثلث ثلثها للورثة ستة وثلاثون وثلث ، ولو أن الجارية نقصت حتى صارت تساوي مائة أخذ الموصى له ثلثها ، ويرجع على الورثة من قيمتها بأربعة وأربعين وأربعة أتساع درهم تمام ثلث المال لأن الجارية مشتركة بين المشتري والموصى له ثلثاها للمشتري وثلثها للموصى له فما ضاع ضاع على الحصتين وما بقي بقي على الحصتين فللموصى له ثلث الجارية قيمته ثلاثة وثلاثون وثلث لأن المال ، وحق الموصى له يعتبر يوم القسمة .

                                                                                        وقد انتقص من قيمة الجارية ثلثاها فذهب ثلثا حقه ، وقيمتها في حق الورثة تعتبر يوم البيع لأنه استهلكها الوارث بالبيع فتعتبر قيمتها يوم الاستهلاك ، ويوم البيع كانت قيمة ثلثي الجارية مائتي درهم فصار مال الميت مائتين وثلاثة وثلاثين وثلثا فللموصى له ثلث ذلك ، وهو سبعة وسبعون وسبعة أتساع درهم قبل الورثة ، ولم يجعل للموصي أن ينقض البيع فيما بقي من حقه لأنه يؤدي إلى الدور لأن ما نقص فيه كأنه لم يبعه الورثة ، وإذا هلك شيء منه هلك من مال الميت فيحتاج إلى أن ينقص وصيته عن ذلك ، وإذا انتقصت بعد البيع بقدر ما انتقصت وصيته فإذا نفذ البيع عاد حق الموصى له ، واحتجت إلى النقص فيؤدي إلى ما لا يتناهى ، وسهم الدور ساقط فلم يكن حق البعض في الابتداء كي لا يؤدي إلى الدور

                                                                                        رجل أوصى لرجل بشاة من غنمه ، وقد لحقت الأولاد بالأمهات بعد موته فللورثة أن يعطوه شاة بدون ولدها ، وإن قال شاة من غنمي سلموا معها ولدها وما جلب من لبنها ، وجزءا من صوفها إن كان قائما وما كان مستهلكا من ذلك فلا يضمونه لأن الوصية تناولت شاة من قطيع معين فتدخل زوائدها تحت الوصية ، ولذلك لو أوصى بنخلة ، ولم يقل من نخلي هذه يعطونه نخلة دون ثمرتها ، وإن قال من نخلي هذه ، وقد أثمرت بعد موته تبعها الثمر ، هذا إذا أوصى بمعين فلو أوصى بأحدهما قال فيه أيضا .

                                                                                        ولو أوصى بإحدى هاتين الأمتين فولدت إحداهما أعطاه الورثة أيتهما شاءوا فلو أعطوا التي ولدت تبعها ولدها ، ولو قال قد أوصيت بجارية من جواري هؤلاء أو قال بشاة من غنمي هذه فولدت في حياة الموصي فأراد الورثة بعد موته أن يعطوه من الأولاد لم يكن لهم ذلك ، وإن أعطوه جارية أو شاة أو نخلة تبعها ثمرها ولا يتبعها أولادها ، وثمرتها الحادثة قبل موت الموصي لأنه إنما وجب له ذلك بالوصية بعد الموت ، وبعد الموت الإيجاب لا يتناول الزوائد الحادثة قبل الموت فإن هلكت الأمهات إلا واحدة بعد موت الموصي كان حقه في هذه الواحدة ، وإن لم يبق شيء من [ ص: 488 ] الأمهات دفعوا إليه الأموال .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        الخدمات العلمية